الأدب بين الفصحى والعامية

احمد رجب
قضية متوهمة لكن لا تنتهي
ثنائية الفصحى والعامية قضية لا تهدأ منذ زمن الجاحظ وأبي هلال العسكري، فمن منهما الأصل، ومن الأقدر على التعبير عن الحداثة!
الأدب بين الفصحى والعامية، قضية متوهمة لكن لا تنتهي انحياز كامل للغة الفصحى.
اللغة العامية ترتبط بالزمان والمكان والبيئة.
للعاميات تفرعات عن الفصحى، فهي جزء لا يتجزأ من اللغة الأم.
التعدد اللغوي يمكن أن يفتح أفقاً كبيراً للرواية العربية في المستقبل.
حينما كتب طه حسين «إن روعة قصص نجيب محفوظ تأتي من لغتها، فهي لم تكتب في اللغة العامية المبتذلة، ولم تكتب في اللغة الفصحى القديمة التي يشق فهمها على أوساط الناس، وإنما كتبت في لغة وسطى يفهمها كل قارئ لها مهما يكن حظه من الثقافة ويفهمها الأميون إن قُرِئت عليهم، وهي مع ذلك لغة فصيحة نقية لا عوج فيها ولا فساد، وقد تجري فيها الجملة العامية أحياناً حين لا يكون منها بد، فيحسن موقعها وتبلغ منك موقع الرضا».
لم يكن فقط يشيد بنجيب محفوظ بل كان يؤكد على أهمية اللغة في الرواية كما يؤكد على انحيازه الدائم للفصحى، وهو الانحياز الذي عارضه توفيق الحكيم بقوله «في رواياتي ومسرحياتي لا أستطيع أن أجعل العتال أو الفراش أو سائق التاكسي يتكلمون الفصحى، لأن اللغة العامية هي اللغة الطبيعية بالنسبة لهم، فإذا جعلتهم يتكلمون الفصحى، سأخلق جوا مصطنعا».
هذا الصراع الأدبي لم يقف عند جيل الرائدين الكبيرين، بل يتجدد باستمرار ويجد كل طرف من طرفيه أنصارا دائمين، وكلما نظنه هدأ يصدر عمل سردي يغامر مع اللغة فيثيره من جديد، كتاب «لغة مقدسة وناس عاديون معضلات الثقافة والسياسة في مصر» لنيلوفر حائري، وقد صدرت ترجمته إلى العربية عن المركز القومي للترجمة بمصر، يعيد إثارة القضية من خلال التساؤل عن مدى قدرة لغة تقوم على الثنائية على التعبير عن الحداثة، الناقد والأكاديمي محمد عبدالمطلب يقول «تلك قضية موغلة في القدم بوصفها قضية اجتماعية قبل أن تكون قضية لغوية، فقد أثارها الجاحظ وأبو هلال العسكري، كما أن ثنائية الفصحى والعامية تسكن كل لغات العالم دون أن يكون بين طرفيها صراع ما، لكن انتشرت بين بعض المثقفين العرب دعوى ترى العامية هي الأصل وليست الفصيحة، متجاهلين المغايرة في اللغة العامية ذلك أنها سريعة التطور والتغير، تكاد ترتبط بالأوطان والأقاليم، بل ترتبط بالمدن والأحياء في المدينة الواحدة.
الدكتور صلاح فضل
العامية لها جمالياتها الخاصة الرشيقة
وترتبط أيضا بالبيئة الزمانية، فمثلا عامية مطلع القرن العشرين تغاير عامية نهاية القرن، فأي هذه العاميات يمكن اعتمادها (لغة مشتركة) تعبر عن حقيقة الثقافة العربية الموروثة والمستحدثة ؟ ويرى عبدالمطلب أن الخصومة بين الفصحى والعامية متوهمة، فالعامية نؤدي وظيفتها الاجتماعية والثقافية دون صدام مع الفصحى، إذ تتردد على أسماعنا وأبصارنا فنون العامية المختلفة فنون الفصيحة المتنوعة، والمجتمع يستقبلهما بوصفهما أداتي اتصال مشتركتين، مع مراعاة أن لكل منهما وظيفتها الحياتية والجمالية.
أما الناقد د. صلاح فضل فهو لا يبتعد كثيرا عن رأي سابقه، فهو يرى أن العامية وليدة الفصحى، ويمكن أن تحل محلها في حالة وجود عوائق أمام استخدام اللغة الفصحى، كما أن لها جمالياتها الخاصة الرشيقة التي تستطيع من خلالها الوصول إلى لغة المواطن في الشارع. لكن العامية لا تتلاءم مع الكتابة السردية، رغم ملاءمتها لكتابة الحوار بين الشخصيات، باعتبار أن الكاتب يستقي مفردات حواره من الواقع. ويرى أن اللغة الفصحى تتميز بالجمود والرسوخ، مقارنة بمرونة العامية، مشيرا إلى أن استخدام اللغتين يعتمد على العمل الفني نفسه واللحظة التي تُكتب، فالوصف يختلف عن الحوار. المهم أن يعي الكاتب أن استخدام العامية لا تعني انحطاط النص وركاكة لغته، فللعامية بلاغتها الخاصة التي لا ينبغي تجاهلها.
لكل عمل لغته
الروائية المصرية سلوى بكر تلفت إلى عدم وجود لغة عامية بل لهجات عامية، وترى أن للغة وظيفة موضوعية داخل النص، وهي التعبير عن عوالم الشخصيات ومستواها الفكري والاجتماعي فينبغي أن يكون لكل عمل لغته الخاصة، وهي تشبه اللغة للأديب بالألوان للرسام، لذلك استخدام اللغة يتوقف على أشياء كثيرة فضلا عن مسألة عامية أو فصحى. حيث أن للعاميات تفرعات عن الفصحى، فهي جزء لا يتجزأ من اللغة الأم، لكنها قد لا تتلاءم مع الأعمال الأدبية، إذ توجد تجاوزات في العامية المستخدمة في الأدب حاليا، بخلاف العامية التي استخدمها كبار الكتاب كإحسان عبدالقدوس وتوفيق الحكيم. وتضيف سلوى بكر «القضية ليست الانتصار للفصحى ضد العامية أو العكس وإنما في انتقاء اللغة الملائمة للنص والتي تفيد في تجسيد الخطاب الروائي الذي انشغل به من خلال النص».
ويوافقها الروائي إبراهيم عبدالمجيد الرأي، ويقول «إن اللغة بالنسبة له أحد أهم أركان العمل الأدبي، ويجب أن تتسم بالجمال والبلاغة وإلا كانت عبئا على العمل الأدبي. وهو مقتنع بفكرة مفادها أن العمل الأدبي يختار لغته وليس العكس، حيث يحتّم مناخ الشخصيات وثقافتهم وحياتهم على الكاتب، التحدث بلغتهم. وهو يقترح حلا وسطا لهذه الإشكالية يتمثل فيما أسماه توفيق الحكيم، باللغة الثالثة، ويوضحها بأنها لغة تجمع بين بساطة الفصحى والعامية شريطة ألا تكون مبتذلة، فهو يشترط لاستخدام العامية أن تكون ذات مستوى راق وتتسم بجماليات خاصة».
ذات الإنسان
يؤكد الروائي وأستاذ الأدب الشعبي أحمد شمس الدين الحجاجي على أنه لا يتعامل مع النص الأدبي عموما والروائي خصوصا من منطلق اللغة وازدواجيتها، بل يتعامل معه من منطلقين آخرين، أولهما منطلق المتن أو النص نفسه، ثم منطلق زاوية النظر إلى هذا المتن، ويضيف: إن الرواية العربية كانت في الفترة السابقة تحاول أن تقدم متنا متطابقاً مع الواقع السياسي والاجتماعي والتاريخي، فلم يكن فنياً بالشكل الأمثل، وخلال العقود الأخيرة بدأ هذا المتن ينزاح إلى آفاق جديدة، وأخذ ينقطع تدريجيا عن حالته الواقعية ليعبر عن ملامح جديدة وتجريبية تعنى بدواخل الإنسان أكثر مما تعنى بما هو خارج ذاته، ويضيف بأن المتن والروائي السابق يحتاج إلى رؤية سردية تقرر حقائق قائمة وهذا افترض بطبيعة الحال معالجات سردية تقليدية وكلاسيكية، أما المتن الجديد المنزاح نحو الحياة الجديدة، فيتطلب أساليب متجددة ومبتكرة ومتطورة نراها عند مجموعة من المجددين في الرواية العربية، هذه المعالجات أعطت أهمية كبيرة لتعدد زوايا النظر في اللغة والموضوع، والمتن الروائي لديه قابلية للتطور والتجدد، والتعدد اللغوي مما يمكن أن يفتح أفقاً كبيراً للرواية العربية في المستقبل، كما سيعيد إثارة نفس القضية التي لا تنتهي لكن وفق المسارات الجديدة التي ستتخذها لنفسها.

About alzawraapaper

مدير الموقع