اقتصاديات اللحوم… إلى أين؟

مظهر محمد صالح

مظهر محمد صالح

اعتادت البشرية منذ عصور ما قبل التأريخ على صيد الحيوانات وأكل لحومها ولم تجرِ الالفة بين الانسان والحيوان الا يوم ولدت الحضارات العريقة لتكون تربية الحيوان جزءاً لا يتجزأ من مكونات بنائها الاقتصادي وتطور نمط العيش وطراز الحياة فيها. وعدت حضارة وادي الرافدين، ومنذ اكثر من خمسة آلاف سنة ، في مقدمة الحضارات التي انتظمت فيها تربية الماشية والقطعان وعظمت سبل الاستثمار لديها من خلال وسائل تربية وتكثير الحيوانات بما في ذلك الطيور والدواجن وغيرها. وعلى الرغم من تطور تناول اللحوم على النطاق العالمي الذي وصل انتاجه اليوم الى مستوى تقدم الصناعات الغذائية في مجال توفيره، إلا ان القيم والعادات الاجتماعية والدينية ظلت تتحكم في استهلاكه بين مختلف سكان الارض . فما زالت انماط استهلاك اللحوم تنتقل وتتحول و على نحو اساسي مع تعاظم مستويات دخول وثروات الافراد. فعلى سبيل المثال ، بدأ الشعب الصيني بالتحول نحو البروتين الحيواني واستهلاكه بكثافة منذ نهضته الحديثة . اذ اصبح استهلاك اللحوم في الصين يتطلب تربية نصف قطعان الخنازير في العالم . كما عد لحم الخنزير اليوم الغذاء البروتيني المفضل لدى الامة الصينية. ونجد على العكس من ذلك ، فأن الامة الامريكية تتصدر حالياً تربية وانتاج لحوم الدواجن على المستوى العالمي ، منطلقة من ان لحم الدجاج هو البروتين المفضل لديها ، وبين هذا وذاك ، صارت البرازيل هي الاخرى في مقدمة الامم في انتاج لحوم الابقار. لذا فإن ميل العالم في استهلاك اللحوم هو رغبة لا تتوقف اطلاقاً ولاسيما في المجتمعات الصناعية الغربية . فإذا كان متوسط استهلاك الفرد من اللحوم في البلدان النامية لا يتعدى 28 كيلوغرام سنوياً في الوقت الحاضر، فان ذلك المعدل في المجتمعات الغربية يرتفع الى ثلاث مرات عما هو عليه في البلدان الاخرى ليبلغ 80 كيلوغرام سنوياَ.
يتطلب انتاج اللحوم وبشكل مكثف المزيد من الحبوب العلفية والمياه في آن واحد ، لذا فقد اضاف انتاج اللحوم كمصدر غذائي اعباء مختلفة على تطور النشاط الزراعي في العالم . فانتاج كيلوغرام واحد من لحم الدجاج يتطلب توفير كيلوغرامين من الحبوب العلفية عند تربية الدواجن على سبيل المثال . وان انتاج كيلوغرام واحد من لحم البقر يتطلب توفير حبوب علفية بواقع (عشرة ) كيلوغرامات و180 غالون من المياه وهكذا.
كما يتطلب توفير المواد العلفية لاغراض الثروة الحيوانية ، اراضي زراعية تزيد على اربع مرات الاراضي المعدة لانتاج المحاصيل النباتية لاغراض الغذاء المباشر.
وتذهب نصف الحبوب والمحاصيل المنتجة في العالم اليوم البالغة واحد مليار طن بشكل اعلاف لتنمية الثروة الحيوانية ومن ثم انتاج اللحوم ، مما يتوجب على العالم ان يضيف مليار طن آخر الى انتاجه الحالي من الحبوب في العام 2030 لسد احتياجات الحبوب للاستهلاك البشري والحيواني .
ختاماً : في ظل تعاظم الطلب على اللحوم وتزايد معدلات استهلاكه على المستوى العالمي فلا خوف على الامن الغذائي الدولي من الحبوب . ففي نطاق تعاظم دور التكنولوجيا الاحيائية الحديثة او (البايوتكنولوجي) في المجال الزراعي، فان تقدماً هائلا قد طرأ على الانتاج والانتاجية الزراعية للحبوب والمحاصيل المختلفة في العالم . وان الطلب المتزايد على البذور المعدلة وراثيا صار اليوم يؤدي دوره الفاعل في تعظيم انتاجية الدونم الواحد من الحبوب ، يؤازره في الوقت نفسه تعاظم مستوى الطلب على الجرارات الزراعية الحديثة ذات الوظائف المتعددة ، فضلا عن اتساع نطاق استخدام الاسمدة المختلفة بالشكل الامثل !!

About alzawraapaper

مدير الموقع