اعترافات خطيرة أمام قاضي القضاة

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

هذا عصر التجاذبات والاتهامات والتخوين، وهذا زمن اللعب على الحبال، ولكي نعترف في محكمة الضمير وأمام قاضي الحكمة أعلن عن عمالتي وتجنيد كل ما أملك لصالح وطن هو غرة الأوطان وسيد البلدان، وهي تهمة خطيرة تستحق الاعدام عند الذين أعمى الله بصرهم وبصيرتهم، وأعترف أن الانتماء لهذا الوطن قد منحني الكثير من ألوان الفقر والجوع والقهر والخوف.
أعترف أيها السادة، وأنا بكامل قواي العقلية التي ترعرعت في حاضنة كبيرة مغمورة بنور الله، بأنّ الحياة عشق ومحبة وسعي ومثابرة، وهي تضعك أمام خيارين لا يعرفان التوفيقية ولا التقارب: إما أن تقرع على أبواب حياتك حتى تتقشر أصابعك، وتبصم بدمكّ عليها لتطمئن انك إنسان تستطيع المقاومة والثبات بعيدا عن النتائج التي يفرزها دمكَ، وإما أن تضع الحبل على رقبتكَ لتقاد إلى الحظيرة.
هكذا هي معادلة الحياة، بلا تعقيد أو رتوش أو إطارات، وأنت تواجه وطنا تنتمي إليه، وتتفاخر بشرف الانتساب إلى ترابه، وهكذا هي قوانين الحياة دون تزييف أو تعتيم، فالحياة تحتاج إلى إنسان يتمسك بإنسانيته قبل كل شي، والى شعب يعرف كيف يصنع حياته ويدفعها نحو مرافئ الحرية والاستقرار، والشعوب التي تجهل أسرار صنع حياتها لا تستحق العيش إلا في القبور.
لا احد يستطيع أن يوقف الحياة، ولا توجد قوة في الكون تستطيع ثنيها عن التقدم، وإذا ما توَهم البعض بأنه قادر على إيقاف عجلتها، فإن الذي سوف يحدث هو أن المسيرة تتقدم، والتأخر سيكون من نصيب هؤلاء، فالحياة لا تعرف المراوغة ولا الخداع، لكنها تعرف التميز بين من يخونها وبين الإنسان الذي يدفع بإنسانيته باتجاه تطورها، والمواطنة أولى سمات الإنسان فهو بلا مواطنة مخلوق مزيف، والشعوب الحرة المثابرة لصنع حياة كريمة لابد أن تضع أوطانها في قمة الهرم لسر بقائها ومعنى العيش فيها، وتعرف أن الخائن لوطنه يبقى خائنا ولو ألبسته كل نياشين وألقاب الوطنية، فالمواطنة لا تقبل التسويف والمماطلة، فإما أن تكون مع الوطن، وبذلك قد تكون وضعت نفسك باتجاه الخطوة الأولى لسّلم إنسانيتك، وإما أن تكون خائنا للأرض التي أرضعتك فتلتحق إلى فريق أعداء الحياة، والمواطنة تضعك أمام حقيقة مفادها: أما مع الوطن أو ضده، فالوقوف على التل نوع من النفاق عندما يكون الوطن مثخناً بالجراح.
والوطن، باختصار، وجود مقدس، وكبرياء لا يليق إلا بالفرسان، وطريق لا يسير عليه إلا الشجعان، وحياة حرة كريمة يعشقها أصحاب النفوس الكبيرة والضمائر النيرة والقلوب العامرة بالإيمان.
إلى اللقاء…

About alzawraapaper

مدير الموقع