استقطابات حول أزمات المنطقة

محمد سيد رصاص0

 

دخلت الجزائر في عشرية من المواجهة المسلحة بين السلطة الجزائرية والإسلاميين بعد انقلاب 11 كانون الثاني/ يناير 1992، والذي أتى لمنع الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية التي فاز الإسلاميون بجولتها الأولى. في هذا الانقلاب، أكّدت المؤسسة العسكرية أنها الحاكمة منذ انقلاب بومدين على بن بيللا في 19 حزيران/ يونيو 1965، وأنها لن تسمح بالخروج عن هذا السياق. لم يكن مجيء بوتفليقة للرئاسة عام 1999 خارج ذلك.
كان مفاجئاً أن تدعم الجزائر الإسلاميين في فترة الصراع الليبي 2015 ـــ 2018، الذي أنتج أزمة ليبية بين إسلاميي الغرب في طرابلس من جهة، والعسكر المتحالفين مع برلمان طبرق في الشرق الليبي من جهةٍ أخرى. هناك لوحة غريبة إلى «حدٍّ ما» تعطيها الأزمة الليبية: استقطاب إيطالي ـــ جزائري يدعم حكومة فائز السراج في طرابلس الغرب، المعترف بها دولياً بعد اتفاق الصخيرات أواخر 2015 والمدعومة من الإسلاميين، في مواجهة استقطاب فرنسي ـ مصري ـ إماراتي يدعم الفريق خليفة حفتر في بنغازي وبرلمان طبرق. الولايات المتحدة الأميركية تعترف بحكومة السراج، لكنها في الوقت نفسه تدعم مساعي المبعوث الدولي غسان سلامة، في حلٍّ متوافقٍ عليه بين السراج وحفتر.
تعطي الأزمة الليبية (المقصود بمصطلح الأزمة هو استعصاء توازني في صراع محلي ـ إقليمي ـ دولي، لا يستطيع طرفاه الحسم ضد الطرف الآخر، ما ينتج أزمة على الأرجح أو الأغلب تنتهي بتسوية لها) صورة خاصة: واشنطن التي تخلّت عن الإسلاميين بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على محمد مرسي في 3 تموز/ يوليو 2013، لا تتوافق مع القاهرة في الأزمة الليبية، وفي الوقت عينه تعترف بحكومة يقودها الإسلاميون في طرابلس الغرب، في مواجهة معسكر الشرق الليبي المعادي للإسلاميين المدعوم من القاهرة. هناك انقسام أوروبي بين روما، المستعمر القديم لليبيا، وباريس التي قادت عملية «الناتو» ضد معمر القذافي عام 2011 بدعم من واشنطن، ما يجعل الأزمة الليبية في حالة من التعقيد الشديد. أما واشنطن، التي تلتقي مع الإمارات في العداء والمواجهة مع إيران في عهد دونالد ترامب، وليس في عهد باراك أوباما الذي عقد اتفاق 14 تموز/ يوليو 2015 مع طهران، فلا تلتقي مع أبو ظبي في ليبيا.
يشبه انقلاب السيسي انقلاب خالد نزار عام 1992، أي انقلاباً عسكرياً على إسلاميين منتخبين لينتج الانقلاب اضطراباً سياسياً ـ أمنياً ـ اجتماعياً، ولكن مصر والجزائر لا تلتقيان في أزمة بلد يقع بينهما. على الأرجح، إن الجغرافيا هي التي تفسر اختلافهما؛ تريد العاصمتان منع وقوع ليبيا تحت نفوذ الطرف الثاني منهما، لذلك كان التحالف مع قوى ليبية من أجل إنشاء النفوذ لكل منهما لتحقيق ذلك. هنا كانت القاهرة في حالة انسجام أيديولوجي لمّا تحالفت مع قوى معادية للإسلاميين، فيما تتحالف الجزائر، التي لسلطتها الحاكمة أنهار من الدماء في صراعها مع الإسلاميين، مع إسلاميين خارج الحدود الجزائرية.
لا تنفرد الأزمة الليبية في تعقيد الاصطفافات حولها، بل تشاركها الأزمة اليمنية في ذلك. ثمّة مؤشرات كثيرة على أن العملية العسكرية السعودية ـ الإماراتية في اليمن يوم 26 آذار/ مارس 2015، التي سميت «عاصفة الحزم»، ضد تحالف الحوثيين ـ علي عبد الله صالح، لم تكن برضا أوباما. سبقت تلك العملية العسكرية بأسبوع عملية توقيع «بروتوكول لوزان» حول الملف النووي الإيراني، الذي كان أساساً لـ«اتفاق فيينا» في 14 تموز/ يوليو 2015، وسمّي «5+1»، وهو أساساً اتفاق أميركي ـ إيراني، كان المراد منه فتح صفحة جديدة في العلاقات، وتم عملياً فيه موافقة طهران على تفكيك برنامجها النووي مقابل اعتراف واشنطن بالحدود القائمة للتمدد الإيراني في إقليم الشرق الأوسط (شكّل هذا الاتفاق الدافع الرئيس لترامب إلى سحب توقيع واشنطن على الاتفاق المذكور، في 8 أيّار/ مايو 2018).
هنا تمكن قراءة عملية الرياض وأبو ظبي كضربة وقائية ضد التداعيات المحتملة للاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران ومحاولة لضرب حلفاء طهران في صنعاء استباقياً، في مناخٍ كان مرتقباً فيه توقيع الاتفاق، في وقت أشارت فيه التوقعات إلى أن تكون تلك العملية العسكرية قصيرة الزمن، وهو ما لم يحدث. اللافت هنا، أن الغموض الأميركي في الموقف تجاه تلك العملية السعودية ـ الإماراتية لم يتبدد إلا مع مجيء ترامب الذي يحمل سياسة صدامية مع طهران، لكن اقتراب المبعوث الدولي السابق لليمن إسماعيل ولد الشيخ، والحالي مارتن غريفيث، من الحوثيين أكثر من قربهما من الرئيس اليمني المعترف به دولياً عبد ربه منصور هادي، وكذلك تقارير المنظمات الدولية عن اليمن، تشي بغياب وحدة أميركية ـ سعودية ـ إماراتية تجاه الأزمة اليمنية.
هنا يمكن الملاحظة أيضاً أن الأزمة السورية، التي هي أكبر أزمة دولية ـ إقليمية ـ محلية منذ عام 1945، لجهة تأثيراتها في المحيط الدولي والمناخ الإقليمي وتأثيراتها في تفريخ الإرهاب الدولي أكثر من تجربتي أفغانستان 1979 ـ 1998 والعراق 2004 ـ 2013، هي أقل تعقيداً في لوحة استقطاباتها، ربما بسبب شدتها وأهميتها أكثر من الأزمتين الليبية واليمنية. فبعد مدة قصيرة من نشوب الأزمة السورية في درعا، في 18 آذار/ مارس 2011، توضحت ملامح الاستقطابات الدولية ـ الإقليمية بدءاً من آب/ أغسطس 2011، عندما تشكل استقطاب أميركي ـ تركي ـ فرنسي ـ قطري يطالب الرئيس السوري بالتنحي، وكان يدعم أنقرة التي تحولت إلى ظهير للمعارضة الإسلامية بشكليها المدني والعسكري. في تشرين الأول/ أكتوبر 2011، توضحت معالم استقطاب روسي ـ إيراني يدعم السلطة السورية.
السعودية ظلت في حالة نأي بالنفس عن الأزمة السورية حتى أيلول/ سبتمبر 2011، وعندما اتجهت أكثر نحو دعم المعارضة السورية، ظلّت في حالة اختلافٍ مع أنقرة والدوحة المدعومتين من واشنطن في عامي 2011 و2012، والساعيتين إلى انتصار «الإخوان المسلمين» في عموم البلدان العربية الخمسة المتفجرة. وقد كانت الرياض في حالة توجس من وصول «الإخوان» إلى السلطة في البلدان العربية، خاصّةً في القاهرة ودمشق، وتأثير ذلك بالوضع السعودي. ففي مقالة للأمير تركي الفيصل (رئيس المخابرات السعودية السابق)، في جريدة «الشرق الأوسط»، كشف عن أن عملية إسقاط مرسي كانت رغماً عن أوباما.
لم تتقارب واشنطن والرياض في الأزمة السورية إلا عند نزع واشنطن لأنقرة والدوحة عن إدارة الملف السوري، بدءاً من صيف 2013. وعقب تولّي الملك سلمان جرى تقارب سعودي ـ تركي أدّى إلى زيادة دعم للمعارضة السورية المسلحة، الأمر الذي قاد إلى سقوط محافظة إدلب بيد المسلحين السوريين المعارضين وتقدمهم باتجاه منطقة الغاب، الشيء الذي قاد إلى الدخول العسكري الروسي في 30 أيلول/ سبتمبر 2015. لم يعمَّر كثيراً هذا التقارب السعودي ـ التركي ولم يتجاوز حدود 2015. كان لمصر بعد سقوط مرسي سياسة أقرب إلى موسكو في الملف السوري من قربها إلى الرياض وواشنطن، ويبدو هذا بسبب العداء للإسلاميين ولأنقرة الداعمة لهم. يلاحظ هذا أيضاً عند مقاربة موقف الإمارات من الأزمة السورية، إذ تقيس أبو ظبي مواقفها في اليمن وليبيا من منظور سياسة مجابهة الإسلاميين.

About alzawraapaper

مدير الموقع