استعراض لمسرحية نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد

استعراض لمسرحية نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد

استعراض لمسرحية نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد

كانداس تشايني

افضل شيء قدمه راجيف جوزيف في مسرحيته “نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد المرشحة للحصول على جائزة بوليتزر: ان الحرب تخلق الاشباح، على الاقل، مجازياً. اما حرفياً فإنها تعني ان حياة هؤلاء الناس الذين تأثروا بسبب الحرب (الجنود والمدنيين على السواء) بقيت الاشباح تسكن مخيلتهم الى الابد. وتركز المسرحية على حادثة حقيقية قرأها جوزيف في جريدة في 2007. اطلق جندي النار في العراق على نمر وارداه قتيلاً في حديقة حيوانات بغداد والذي كان قد عض يد جندي آخر. والهمت هذه الحادثة جوزيف ليطورها الى مسرحية التي حظيت بإعجاب كبير في 2011 بعد ان مثّل دور النمر في تلك المسرحية روبن ويليامز.
وتعد المسرحية التي قدمها مسرح بالاغولا ومن اخراج جوي فيريل واحدة من اهم المسرحيات الأمريكية في القرن الحادي والعشرين حتى الان لأنها تصور التأثيرات الوحشية للحرب ليس فقط على الجانب النفسي للإنسان، ولكن على جميع المخلوقات. فالبنسبة للنمر، فانه يعاني ايضاً بشكل مضاعف اولاً من كونه سجينا في قفصه في حديقة الحيوانات، ومن ثم كشبح يذهب الى حياة الآخرة بحثاً عن معنى لحياته وبحثاً عن الله وعن المغفرة، بحثاً عن شيء ما او اي شيء، يمكن ان يكون له معنى.
ويؤدي كل من ادم لوكي وزاك ديرنغ دور الجنديين توم وكيفن، ويمثلان في بعض الاحيان النغمة الحزينة للمسرحية والنغمة الممتعة في مشاهدها الاولى في الوقت الذي يقفان فيه حارسين على بوابة حديقة حيوانات بغداد، ويقدمان خلالها تعليقات لاذعة. ويصور لوكي بشكل بارع الجندي السابق الذي شهد قتالاً ضارياً وأحداثا مهمة مثل إلقاء القبض على أولاد صدام حسين وقتلهم.  وهو جندي مركز في عمله وقادر على انجاز مهامه، واذا كان هناك شيء يثيره ويريد ان يستحوذ عليه في اثناء الحرب هو: الذهب. وقام توم بسرقة منزل عدي صدام حسين، وحصل على مسدس ذهبي ومقعد مرحاض من الذهب، وكان هذا الذهب على ما يبد تذكرته لحياة افضل.
اما تصوير ديرينغ لشخصية كيفن، الذي يعد جديداً على الحرب وشديد العصبية ومتلهف لاثبات نفسه يعد دراسة معقدة في مسألة التعامل مع الجنود الاخرين. ومعتاد دائم على التحدث باللهجة العامية وبالألفاظ النابية وبحركاته الذكورية المبالغ بها وفي النهاية يفقد عقله، ومع ذلك فانه ليس بالرجل الأخرق او الغبي المتعطش للعنف، حتى لو كان يبدو عليه كذلك الا انه شخص خائف على الدوام ومرتبط ومسكون عقله وفي النهاية ينتهي بهم الحال ليكونوا مسكونين بالأشباح جميعاً. ويوضح لنا كيفية التعامل مع هذه المشاعر التي تمثل محنة الشخص.
ولنأخذ مثالاً الشخصية التي يمثلها بو ماكغيز، المترجم العراقي موسى الذي يعمل مع القوات الأميركية. ودائماً ما يطلق عليه الجنود الاميركان اسماً خاطئاً وينظرون اليه على انه رجل جامعي. في حين ان موسى في الحقيقة بستاني بارع، حتى انه فنان ينحت رسوماً على الاخشاب بشكل رائع لحيوانات كانت تتجول في حديقة عدي صدام (الذي مثل دوره بشكل جميل ويليام هارمون)، وظهر كشبح مصاب بطلقة يسكن مخيلة موسى.  وكان موسى يعيش حياة من الجحيم وهو يعمل لعدي صدام حسين، الذي اغتصب وقتل اخت موسى، وحياة من الجحيم وهو يعمل مع الاميركان، حيث لا يستطيع ان يوقف او يقلل الضرر الذي يصيب ابناء شعبه. وبعض من اهم الكلمات التي كان يلفظها وبدعمه للشخصيات العراقية التي تمثلها سورايا شلش وستيفاني بيستيلو تكون باللغة العربية وباللهجة العراقية التي تسمح له بتخفيف شدة الضغط والتشتت التي كانت عليها محاولاته في التواصل لتي كانت تتحول بسرعة سوء فهم مميت.
وما يتداخل بين هذه الشخصيات هو التناوب الذي يظهر فيه النمر، المهووس بتعقب حياة ما بعد الموت والذي يمثل هنا ضمير العرض الفني. ويتوسل النمر الذي يظهر بملابس مخططة بالية وبلهجة تدعو للشفقة من اجل طلب العفو والمغفرة لقتله واكله اللحوم بنا فيها لحم الانسان.
وتوفر سينوغرافيا العرض (المشاهد المسرحية) التي صممها اندريو كونورلي صوراً تعيد الاذهان الى بغداد 2003، بساتين عدي صدام وصورته التي تسكن مخيلة الناس وهو يرمقهم بنظرة تشبه نظرة النمر. وكانت الموسيقى التي ألفها روب ثوماس الى المناخ الكئيب لبغداد انذاك وما زاده هو تصميم الاضاءة لروسيل مينديز. وبالفعل توفر مسرحية نمر بنغالي في حديقة حيوانات بغداد نظرة عميقة وطازجة للحرب التي اندلعت مطلع القرن الحادي والعشرين وتوثق لكل من مات ومن لم يمت فيها.

About alzawraapaper

مدير الموقع