اختفت العناوين وبقيت المضامين

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

النظرُ الى ما يحدث اليوم من باب الرجم بالغيب لا قيمة له ، والنوايا الحسنة وغير الحسنة عندما تدخل في قراءة النتائج هي الأخرى لا قيمة لها ما دامت المعادلة التي تحكم العلاقات الدولية تقول : لا توجد صداقات دائمة وانما المصالح وحدها من ترسم وتخطط وتنفذ ، وكان مفهوم المصالح الدائمة يتستر تحت غطاء من الحرير الناعم ساعة ظهوره ترافقه عبارات بنفسجية تتحدث عن تبادل المنفعة والمصالح المشتركة وعدم التدخل بشؤون الدول واحترام سيادتها وغيرها من العبارات التي توحي للآخرين أنّ العالم يسير على سكة الوضوح ، ويضع أقدامه على منهج الاعتدال والعدل ، ومع تسارع الاحداث وما تمخض عنها من تداعيات خطيرة ظهر أنّ غطاء الحرير الناعم عبارة عن لعبة تخفي وراءها الكثير من الخداع والزيف ، وان المصالح الحقيقية للدول الكبرى تعني الهيمنة على مستقبل الاوطان ومصير الشعوب ، سواء تحقق هذا عن طريق الانقلابات العسكرية أو عن طريق الاحتلال المباشر لتلك الدول وتحت ذرائع لا تقنع الطفل الرضيع ، ونتيجة لهذه اللعبة المكشوفة ظهرت سياسة المحاور والخنادق ، وبدأت لغة البنادق تعلو فوق كل صوت ، ولا زالت الدول الكبرى تجتمع وتتشاور وتقرر من أجل ان يعم السلام والرخاء أرجاء المعمورة ، وبعدها تبدأ باحتلال الدول بقوة السلاح الذي يحسم الامور وفق نظرية المصالح الدائمة ، ولكي تمرر كل الجرائم التي ارتكبت بحق الانسانية منذ الحرب الكونية الاولى اذا ما أخذنا التاريخ المنظور وحتى يومنا هذا ، فقد رافق في كل ما حدث سيناريوهات جديدة ، وشعارات طازجة شهية تتحدث عن العالم المزدهر المتحضر في الوقت التي ظلت فيه الدول الضعيفة والشعوب المقهورة تتغذى على منهج تشرشل ، وطريقة ايزنهاور ، وتعامل بريجينيف .
ما يثير التساؤل اليوم ونحن نرى هذه الانقسامات الحادة في المواقف وظهور الأقطاب المتنافرة ، وكل قطب له القدرة العسكرية على تدمير العالم بأسره ، وماذا يحدث لهذا العالم لو انتصر فيه القطب الواحد والتهمَ بقية الاقطاب وفوق المقولة الثابتة : القوة وحدها القادرة على حسم الامور ؟ وماذا يكون مصير الدول والشعوب التي تعيش تحت مظلة الغطرسة والتعالي للمحور المنتصر ؟
العالم اليوم يفتح الستارة عن فصل جديد من مسرحية قديمة ، وكل ما حصل وما سوف يحصل يتلخص في أن التغيير سيطرأ على العناوين فقط ، أمّا المضامين فستبقى على حالها تمارس الهيمنة بكل أشكالها وصورها وتبكي على الانسانية المعذبة ، تسرق خيرات الشعوب وتتحدث عن حق تقرير المصير ، تضع أمامكَ النخلة المنحنية لكي تحجب عنك البستان ، تعطيكَ قدح الماء الخابط لتخفي وراءه البحر ، تقيس الامور بألاف المقاييس ولا تسمع بعدها غير مطرقة الحاكم وهو يصرخ بالجميع بأن العدل أساس الملك .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع