ابن هبيرة الوزير في العهد العباسي الأخير

طارق حرب

طارق حرب

تميزَ القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي من العهد العباسي في بغداد بانتشار عدد كبير من المدارس التي تم انشاؤها في بغداد بحيث لم يشهد العهد العباسي ببغداد حركة مدرسية كما حصل في هذا القرن الذي يعتبر العهد الاخير من العهد العباسي حتى ان الرحالة ابن جبير عند وصفه حال المدارس ببغداد قال (والمدارس بها نحو الثلاثين وما منها الا وهي يقصر القصر البديع عنها) على الرغم من الظروف الصعبة التي مرت ببغداد عند تسلط السلاجقة فقد كانت الحياة العلمية مزدهرة متطورة اذ حظيت المدارس بمن يعمرها ويديمها وكانت لها أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تكون وارداتها الى تلك المدارس وفقائها وطلابها وكان طلابها ينالون السمو والرفعة والشرف وتخرجت أعداد كبيرة من طلاب العلم وعلمائه في شتى العلوم والمعارف ومن مدارس هذا القرن مدرسة مشهد الامام أبي حنيفة والمدرسة التاجية التي بناها تاج الملك المرزبان السلجوقي ومدرسة حمزة بن علي أو الكمالية التي أسسها كمال الدين أبو الفتوح حمزة الرازي البغدادي المقرب للخليفة المسترشد العباسي ومنها مدرسة الوزير الصوفي فخر الدولة وموضوع قولنا مدرسة الوزير أبو المظفر عون الدين يحيى بن هبيرة الذي كان أول أعلام بغداد وعلمائها منذ تعيينه على ديوان الزمام في بغداد عام 542 هج زمن الخليفة المقتفي ثم وزيراً حتى وفاته عام 560 هج زمن الخليفة المستنجد حيث تولى ولده الوزارة بعد وفاته وابن هبيرة صاحب مدرسة الوزير ببغداد أول منشأه من قرية الدور التي تقع الى الشمال من بغداد والتي عرفت فيما بعد بدور الوزير نسبة اليه وكان أبوه أكاراً في هذه القريه وكان يحث ولده على تحصيل الادب ويردده صغيراً الى بغداد ويحضره مجالس الصدور وصدور المجالس وكان هو كما قيل:-
ولها من نفسها طرب كما يقول ابن الطقطقي ومات أبوه وهو صغير فتقلبت به الامور وكابد من الفقر أهوالاً وكان ينتقل من خدمة الى أكبر منها ومما قالا فيه الخليفتان المقتفي والمستنجد:
(ما وزر لبني العباس كيحيى بن هبيرة في جميع أحواله) وكان له دور في القضاء على النفوذ السلجوقي ببغداد . لقد كان كريماً جواداً سمحاً لا يخرج من السنة وفي خزانته منها درهم واحد وقوراً حليماً متواضعاً ومن أفكاره اللطيفة ان الوزراء كانوا قبله يلقبون ألقاباً من جملتها سيد الوزراء فتقدم هو الى الكتاب ألا يكتبوا هذا اللقب في ألقابه تأسياً بقوله سبحانه حكاية عن موسى (واجعل لي وزيرا من أهلي) وما يروى عن الرسول قوله (لي وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الارض) ولقد كان ابن هبيرة من أفاضل الوزراء وأعيانهم وأماجدهم له في تدبير الدولة وضبط المملكة اليد الطولى وله العلوم والتصانيف ومن أشعاره:
إذا قلّ مال المرء قل صديقه
وقُبح منه كل ما كان جميلا
وقيل مات وهو ساجد وناب ابنه محمد في الوزارة بعد وفاته.
تعتبر مدرسة الوزير أبو المظفر عون الدين يحيى بن هبيرة من المدارس التي أسهمت اسهاماً فاعلاً في تدريس عدد كبير من طلبة العلم وهي من المدارس الاولى التي أنشئت بالجانب الغربي من بغداد أي في منطقة الكرخ في محلة باب البصرة أنشأها الوزير المعروف بابن هبيرة وهو يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن جهم الشيباني المولود بالدور عام 499 هج الذي دخل الى بغداد في صباه وطلب العلم وجالس الفقهاء والادباء حتى حصل من كل فن طرفاً فكانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة وصنف عددا من العلوم وكان متشدداً في السنة النبوية وسير السلف الصالح وتولى الاشراف على ديوان المخزن وديوان الزمام أي الرقابة المالية وعدد من المناصب حتى وصل الى الوزارة.
وفي سنة 557 هج تكاملت عمارة المدرسة فأقام فيها الفقهاء ورتب لهم ابن هبيرة الوزير الرواتب المستمرة وكان أول من انتدب للتدريس فيها أبو الحسن البراندس وقد أكثر الوزير من مجالسة العلماء وجعل أمواله مبذولة لهم لتدبير أمورهم وكان له مجلس خاص بالعلماء في بيته كل يوم جمعة يحضره الناس الذين يقرأون القرآن وعلى رأس الحضور في الوعظ العلامة ابن الجوزي.

About alzawraapaper

مدير الموقع