ابتهالات في محراب الكلمة المضيئة

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

مَا الذي يريد أن يقوله الكاتب الجيد ؟ وكيف يرسم طريقه للوصول إلى ما يريد ؟ وكيف يحدد خارطة بنائه ابتداء من الاستهلال ووصولاً إلى الخاتمة ؟ أسئلة لا بد من الإجابة عليها ، فالكتابة ليست عملية ميكانيكية يتقنها الكاتب بالتدريب ، وهي ليست مطعماً لتقديم الوجبات السريعة ، إنها فن قائم على تجسيد الصور والأحاسيس والعواطف ، وحركة ديناميكية مقترنة بموهبة تمتلك المهارات الفنية ، وتجربة ناضجة ، ورؤية شاملة تشكل النسيج العام والخاص لهوية الكاتب ، وكلما كانت الكتابة الفنية صعبة ، جاءت نتائجها طيبة ، كما قال الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي ، لهذا فانّ أول صفة من صفات الكاتب المقتدر هي صفة المعاناة التي تلازمه منذ نمو النطفة الأولى في رحمه وحتى لحظة الولادة ، سواء كان الأمر يتعلق بكتابة القصة والرواية ، أو في مجال الشعر والمقال الصحفي ، فالمعاناة هنا مزيج من أفراح وأحزان ، هموم ومسرات ، تطلعات وانتكاسات ، الكل يتداخل في الكل ، والكل يدفع الكاتب إلى عالم قلق ، يحترق في داخله ، يثور بين أروقته ، يتحد معه ويبتعد عنه ، يتصالح معه حيناً ، ويجافيه حيناً آخر ، ومع تعاقب مراحل الكتابة يكون القلم قد أنجز مهمته ، وتكون المعاناة قد خفت حدتها ، عندها يبدأ الكاتب بمراجعة ما كتبه ، يحذف ويضيف ، يتوقف ليتأمل ، ينقح ويهذب لكي يطمئن على سلامة الوليد ، وقد يستغرق هذا وقتا طويلاً ، فالروائي الأمريكي ارنست همنغواي أعاد كتابة آخر صفحة من روايته ( وداعاً للسلاح ) تسعاً وثلاثين مرة قبل أن يدفعها إلى المطبعة ، والروائية مرجريت متشل ، لازمت حزنها ست سنوات بعد تعرضها لحادث ، وقد تمخض هذا الحزن عن ظهور روايتها ( ذهب مع الريح ) والتي تعتبر من أشهر الروايات العالمية ، وأكثرها رواجاً في العالم ، والأمثلة كثيرة لمن يتابع حياة المبدعين الكبار ، ولابد من التأكيد على أنّ الأقلام لها سقف زمني مهما وصلت من الشهرة والإبداع ، باستثناء الأقلام التي عبرَت العصور ، وتحدّت الأزمان ، فليس كل مشهور خالد ، وإنما كل خالد مشهور كما قيل سابقاً ، ومن هذه الحقيقة نشب الصراع بين كتاب اليوم وكتاب الأمس حول التغيير الحاصل في المنظومة اللغوية والمنظومة الفكرية التي يتناولها كل جيل منهم ، وعلى ضوء المتغيرات الجديدة التي تفرزها حركة التطور .
إلى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع