إلى المعري وهو يرسم خارطة الضوء

محمد طاهر الصفار

تمخّضتْ أمُّه أعمى يلوحُ به
ما لم تُحطه أوالي قومِها خُبرا
ومن أبٍ لم يكن إلّا لنطفتهِ
يدٌ عليه وبذرٌ يُفرعُ الشَّجَرا
تصلصلتْ في سحيقِ الرفضِ سحنتُه
فكان ينفثُ من أوداجِها الشَّرَرا
ولقّنته ضروعُ الحزنِ أغنية َ الـ
ـموتى فصاغَ لها من قلبهِ الوَتَرا
وخطَّ في لوحةِ الأسفارِ خطوتَه
حتى استشفَّ على أنساغِها القدرا
ولم يجدْ في المدى من يومِ مولده
حبيبةً فانتقى في دربهِ القمرا
يفتضُّ ما قدّرتْ أوزارُ محنتهِ
بصمتهِ ورؤاهُ تلجمُ البصرا
في دجلةٍ في فراتٍ في معرَّته
في روحِ بغدادَ ألقى (السقطَ) فانهمرا
تلا بليلتهِ نجوى المدى ومضى
يجسُّ منفاه حتى أوقدَ السحرا
أفنتْ تراتيلُه في سجنِ غربتهِ
كل التضاريسِ حتى استنفرت عُصُرا
وشجَّرَ الحزنَ من أنفاسِ قافيةٍ
على التآويلِ روحاً أوجعَ المَطَرا
وأوصدَ الأفقَ في نجواهُ محتكراً
نبضَ الأقاويلِ ندّى حلمُه الوطرا
أبا العلاء علتْ عينيَّ غاشيةٌ
حتى رأيتكَ فيها تزجرُ البشرا
(أعمى يقودُ بصيراً لا أبا لكم)
من لم يقده ضميرٌ صادقٌ كفرا
أحكمةٌ ؟ أم جنى الأقدارِ ؟ أم عظةٌ ؟
أم رب نافعةٍ قد خلّفتْ ضررا ؟
أن توقدَ الحبَّ في الأحداقِ اغنيةً
وما تداركَ منه المبصرُ الأثرا

About alzawraapaper

مدير الموقع