إعلان تركي أردوغاني مثير للأسئلة

عدلي صادق

بعد محاولة الانقلاب التركية في يوليو 2016 لم يكتف الرئيس رجب طيب أردوغان بالانقضاض على كل من لا يضمن ولاءهم، سواء كانوا ضالعين أو غير ضالعين في المحاولة، وإنما اختار التصعيد ضد دول وأشخاص يعارضون جماعة “الإخوان” ولا يتقبلونها. وفي هذا السياق اخترع لنفسه أعداءً كان من بينهم النائب الفلسطيني محمد دحلان، الذي اتهمه بالضلوع في المحاولة الفاشلة!
خلال الفترة التي أعقبت ذلك الحدث، لم يكن دحلان، في ذهنية أردوغان، محض معارض وحسب، للحكم الإخواني في أي بلد، كغيره من مئات ملايين المعارضين العرب لمثل هذا الحكم، وإنما ظل (دحلان) في هواجس أردوغان، أحد راسمي السياسات المناوئة لجماعة “الإخوان” في الإقليم. فالشعوب نفسها لم تكن في حسبة أردوغان، صاحبة رأي، ولا هي تتحسس الخطر على السلم الأهلي وعلى الدولة وعلى محيطها الإقليمي من حكم الجماعة. فهي عنده مجرد جموع يتوجب تحريضها ضد سياسات بلدانها، ولصالح “طهرانية” مفترضة يمثّلها “الإخوان” ويستمد أردوغان صدقيته “الإسلامية” منهم، توخياً لتحقيق طموحات عثمانية!
من المفارقات، أن دولة الإمارات، التي اتهمت بالضلوع في محاولة الانقلاب على أردوغان، وانتقل دحلان للإقامة فيها، بعد انقلاب رئيس السلطة الفلسطينية عليه لكي يتفرّد في الحكم؛ كانت سباقة الى تهنئة الدولة التركية على إحباط انقلاب ضد أوضاعها الدستورية. بل تصادف أثناء محاولة الانقلاب، وجود اثنين من جنرالات الجيش التركي السابقين، في دبي، اعتقد أردوغان أنهما ضليعان في المؤامرة عليه، وطالب بتسليمهما فسلمتهما أبوظبي لأنقرة. وفعلت إسرائيل، حليفة أردوغان، الشيء نفسه، وسلمت لأنقرة الملحق العسكري التركي المتهم أيضاً بالضلوع في المحاولة الانقلابية. لكن أردوغان، وعلى الرغم من ذلك، اختار أن يناصب دولة الإمارات العداء، بحكم تحالفه مع قطر راعية “الإخوان” الذين يريد استخدامهم باسم مشروع إسلامي، هو في جوهره مشروع قومي تركي للهيمنة!
قبل أيام، وعلى الرغم من لا منطقية توجيه الاتهام للنائب الفلسطيني محمد دحلان، فوجئ الفلسطينيون وسواهم، بالإعلان عن دحلان كإرهابي، ورصد أردوغان، ما قيمته نحو 700 ألف دولار لمن يُدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه.
كان الإعلان عجيباً، لأن الرجل المستهدف، ليس مختبئاً لكي يفتش الحالمون بالمكافأة عن مخبئه للفوز بالمبلغ. ثم إن الإرهاب، فعل فاحش، لا علاقة له بثقافة دحلان كمسؤول أمني فلسطيني سابق. كما أن اتهامات النظام التركي للرجل، تفتقر لأبسط عناصر المنطق، إذ لم تكن لدحلان معرفة سابقة أو لاحقة بدواخل تركيا، لكي يتمكن من غواية 21 جنرالاً ومئات المنتسبين للمؤسسة العسكرية من رتب أخرى، ومئات الأساتذة الجامعيين والدبلوماسيين وألوف من موظفي الدولة ورؤساء المؤسسات الاقتصادية وغيرهم.
كان تركيز أردوغان على محمد دحلان، قبل تطوير الاتهام ورفعه إلى هذا المستوى الكاريكاتوري؛ مبعث سخرية المراقبين وسخرية معارضي النظام التركي. بل إن هذا المنحى، ولفرط سخافته، قوبل بالارتياح لدى المعارضين الأتراك، لأن معناه موضوعياً ينم عن إفلاس وخيبة شديدين لدى النظام، على صعيد ملاحقة أتباع الشيخ فتح الله غولن. ويبدو أن جذور الشيخ الذي ينتمي إلى أسرة عريقة ومتدينة، وكذلك شخصيته التي اجتذبت الجنرالات والعلماء والأساتذة الجامعيين ورجال الأعمال وصفوة المجتمع، اضطرت أردوغان إلى البحث عن عدوّ بديل، حتى وإن لم يكن لهذا العدوّ، أي علاقة بالجنرالات والعلماء والأساتذة الجامعيين والطيارين ورجال الأعمال الأتراك.
وربما يكون الأطرف في هذا السياق، الذين ضللوا أردوغان ودفعوا به إلى وجهة الخفة والدجل، هم قادة “الإخوان القطبيين” الذين أقرضوه عدواً بديلاً من عندهم، ومن صنع حساباتهم، عندما قدّموا له دحلان، بنظام الإعارة، يعوضه عن عدائه لرجل يتحصن في القلعة الأميركية. فهؤلاء لم يراعوا أن العدوّ البديل، ليست لديه مواصفات العدوّ الأصلي، ولا تتماثل فصيلة دمه مع فصلية فتح الله، وليست هناك أي مقدمات أو معرفة سابقة بين الرجلين. فالشيخ فتح الله وجماعة “حِزمت” الموالية له، كانوا حلفاء لحزب “العدالة والتنمية” ومشروع فتح الله، إسلامي حداثي وديمقراطي تركي، ولا شيء لدى دحلان يدخل على خط تركيا، وإن كان من حق دحلان وغير دحلان، الدخول على خطوط تركيا الشاردة والطافرة، عندما تتطاول على الأرض العربية ومصائرها، طمعاً في ثرواتها!
ولعل من بين المفارقات الطريفة، أن أردوغان، الذي حلّ ضيفاً على الرئيس ترامب قبل أيام، ولم يجرؤ على طلب تسليمه الشيخ فتح الله، المحتمي بالحصن الأميركي، عاد لكي يطالب بالعدو الفلسطيني البديل للعدو التركي، وذلك من موقع الافتراض الأردوغاني بأن الفضاء العربي مباح له، وأن الحيط الفلسطينية هي الأوطأ والأسهل. أما الأميركيون ومن يتحصن في قلعتهم، فلا كلمة يمكن أن تقال ضدهم، حتى عندما يوجه ترامب إهانات علنية لتركيا ورئيسها! وأمام هكذا استهداف للفلسطيني محمد دحلان، ينشأ سؤال مهم: هل يعقل أن تصل السذاجة والاتهامات الجزافية، إلى هذا الحد الذي لا يليق بدولة كبيرة، لها مؤسساتها الأمنية ومراكز دراساتها وساستها، أم أن في الأمر شؤون أخرى؟ في تقديرنا إن الخفة ليست نتاج سذاجة دفعت النظام التركي إلى الإعلان عن دحلان كإرهابي، وعن رصد أردوغان مكافأة مالية لمن يتمكّن من إرشاد القوة الانكشارية إلى “مخبئه” المفترض في السيناريو البوليسي العجيب.
أغلب الظن أن هناك هدفاً لئيماً في هكذا إعلان، على الرغم من صيغته الكاشفة عن رعونة مثيرة للسخرية. فالهدف اللئيم ينتمي إلى جنس الاستراتيجية الجيوسياسية، علماً بأن سياق الاستراتيجيات الخارجية الأردوغانية كلها، أثبتت أنها فاشلة وخرقاء حسب نتائج في السنوات العشر الأخيرة. فالهدف هو الكنز الليبي، الذي يتمنى أردوغان أن ينطلق منه الحلم العثماني والإخواني إلى بناء إمبراطوريته، في دورة تاريخية، شبيهة بتلك التي أعلت فيها أوروبا صروح عمرانها وقاعدتها الصناعية اغترافاً من الكنوز الأفريقية. وأغلب الظن أن أردوغان يرى في دحلان، محفّزاً على مقاومة حكم الجماعات الأصولية في ليبيا، وهذا ــ بالطبع ــ موقف خطير في ناظر الأصوليين، وفي ناظر حليفهم أردوغان.
بخلاف ذلك، يمكن التنبه إلى عنصر استخراج الغاز في البحر المتوسط، وفيه تقاطعات تركية يونانية مصرية فلسطينية. ومعلوم أن تركيا الأردوغانية تتدخل الآن وتحفر سعياً إلى نصيب الشق التركي من جزيرة قبرص، والمصريون متفاهمون مع الشق اليوناني وعين قواتهم البحرية على مناطق الاستخراج. وهناك غاز قبالة غزة مسكوت عنه من قبل محمود عباس ومجموعة مساعديه، والقطريون الذين يرسلون الإغاثات النقدية لحماس بالحقائب، متصلون بعباس على خط آخر، ومشروعات الغاز تُعتبر أساساً في مشروعات الحرب وإسهاماتهم في إشعالها.
فهل يكون التركيز على دحلان، بسبب تنامي نفوذه الشعبي في غزة؟ أم أن سبب وصول دحلان إلى تفاهمات مع قيادة حماس في القطاع، على النحو الذي أثار حفيظة “الإخوان” وصدم مرجعياتها، وجعلها ترفع وتائر الهجوم عليه عبر الإعلام القطري؟ إن هذه الأسئلة ستظل قائمة حتى تجيب عنها الأيام القادمة. فالمسألة ــ بالطبع ــ ليست مسألة “إرهابي مختبئ” يجري البحث عنه، مثلما جاء في الإعلان الأردوغاني المثير للسخرية!

About alzawraapaper

مدير الموقع