إصلاح الرواتب والتقاعدات في الإقليم

أمين يونس

حين يتقدم شخصٌ ما إلى وظيفةٍ حكومية، عندنا، يمُرُ بسلسلةٍ طويلة من الإجراءات الروتينية ويُقدِم مُستندات وأوراق ثبوتية أصلية ، ثم يستنسخها جميعاً بعدة نُسَخ ملّوَنة ، مع صورٍ شخصية حديثة ، يُرفقها بشهادات حُسن سلوك وعدم محكومية ، ثم تعهدات متوافقة مع سياسات الدائرة المعنية وتأييد من مُختار المحّلة . هذه الدّوامة تحتاج في العادة إلى عدة أسابيع أو أشهُر رُبما ، حتى يكتمل «الملف» ، ورُبما يُطلَب منك تزكية أيضاً في بعض الوظائِف ! .. وأخيراً يتوجب عليكَ الانتظار ، حتى تبت الجهات المُختصة في الأمر . هذا كُلهُ جزءٌ من الروتين المُتَبَع في العراق عموماً وفي الإقليم خصوصاً . لكن الذي حدث في 2007/2008/2009 /2010 .. أي بعد تدفق الأموال الطائلة من بغداد وازدياد الموارد الداخلية أيضاً في إقليم كردستان العراق ، فإن وتيرة التنافس الشَرِس تصاعدَتْ بِحّدة ، بين الحزبَين الحاكمَين ، الديمقراطي والاتحاد ، على كسب المزيد من المؤيدين بكل الطُرق ، وبالتالي تكريس الاستحواذ على السلطة والمال والنفوذ ، أدى بهما إلى ضرب المعايير والضوابط والقوانين، عرض الحائِط ، وتوظيف أو إعادة توظيف أو إحالة على التقاعد ، لمئات الآلاف ، في عملية شبيهة بالرشوة أو شراء الأصوات والذمم. مقاطع واقعية لما كان يحدث :
* كُنتُ حينها من رُواد المقهى ، فقال لي صديقي «الذي كان قد ترك الخدمة في بداية الثمانينيات ، كما فعلت أنا» بأنهُ عاد للوظيفة وأن جميع سنين تركه ، قد اُحتسبتْ له خدمة ، وقال لي : سارِع أنتَ أيضاً فإنها فُرصة لا تُعّوَض ! . قلتُ له : وماذا تفعل في المقهى إذاً ؟ قال ضاحِكاً : لا يوجد مكان في الدائرة فلقد عينوا مئات الموظفين ، والمدير نفسه يقول اذهبوا وتعالوا رأس الشهر لاستلام الراتب ! .
* أحد معارفي ، استاء من تأخير معاملته في دهوك ، قليلاً ، فذهب الى السليمانية وأنجزها في يومين حاصلاً على تقاعُدٍ مُجزِ . ونصحني بأن أفعل مثله ! .
* أحد أصدقائي من الاغنياء نسبياً، قال لي بأنهُ مضطر أن يعطي لابنه الذي في الكلية ، 300 دولار شهرياً مصرف جيب ، لأن كُل أصدقائه الطُلاب ، لديهم «رواتب» حكومية رتبها لهم آباؤهم ! .
أعلاه نماذج بسيطة من الذين توظفوا أو اُعيد توظيفهم أو اُحيلوا على التقاعُد ، وكُلهم خارج القوانين والضوابط والمعايير الصحيحة. وما كان ذلك سيحصل لولا تواطؤ الحزبَين وما كان سيحدث من غير تسهيلات مُدبَرة من الإدارة في الطرفَين .. ببساطة ، كانتْ نوعاً من الرشوة المُقنَعة واسلوباً رخيصاً لملأ صناديق الاقتراع بأصوات «مُستلمي الرواتب» غير المستحقين ! .
منذ أشهُر ومشروع قانون إصلاح الرواتب والتقاعدات ، يدور في أروقة البرلمان ، ولا يعرف الحزبان كيف يتصرفان ازاء ذلك «وحتى الأحزاب الأخرى يتحملون المسؤولية أيضاً ، فهم كذلك اشتركوا في عملية التحايل والفساد ولكن بدرجةٍ أقل» .. فالمسألة لا تتعلق بمئة أو ألف أو عشرة آلاف شخص ، بل ربما بعشرات الآلاف او ربما أكثر ، في كل طرفٍ من الطرفَين ، إذا أرادوا «فعلاً» إجراء إصلاحٍ حقيقي. فأينما توجهتَ ستجد مُستلِماً لراتبٍ غير مُستَحَق ، تحت مُسمياتٍ متعددة، وهؤلاء هم الصالحون الذين يعرفون من أين تُؤكَل الكتف .. أما الطالحون، أمثالي ، الذين لا يعرفون مصلحتهم ، فهُم أقلية ! .
قَبلَ أن نُطالِب بغداد برواتب «جميع» الموظفين والبيشمركة وقوى الأمن الداخلي ، علينا القيام بإصلاحات جذرية وتنقية القوائم من الفضائيين/ البنديواريين ، والرواتب المتعددة والتقاعدات الوهمية … الخ. وكذلك تخفيض رواتب وامتيازات الرؤساء ومكاتبهم ونوابهم والوزراء والنواب والدرجات الخاصة .. وتحقيق الشفافية المطلوبة .

About alzawraapaper

مدير الموقع