إشكالية وجود العراقي بين الحياة والموت في ثلاثية علي لفته سعيد

مؤيد عليوي
أختار النقد أن يكون الأنموذج الروائي رواية «الصورة الثالثة» الصادرة سنة 2015 لعلي لفته سعيد ، لتكون أنموذجاً عن الرواية الواقعية في العراق، التي سجلت بحرفيّة ومهارة فن الرواية، سجلت وقائع يوميات العراقيين في زمان العراق ماقبل2003، بكل دقائق اليوميات المعجونة بمعاناة البسطاء والفقراء وغير السياسيين بمعنى لا يجيدون لعبة المصالح أنهم أناس أرادوا العيش فقط ، أنها معاناة شعب غُلب على أمره بين الحياة الخاضعة لأمر السلطة أو الموت بأمر حروبها ومهما تغيّرت السلطة مازالت الحروب في العراق.
ولا يخفي النقد هاهنا استعارة الكلمات الأولى التي بدأت بها رواية «الصورة الثالثة « والمنقولة عن الرقيم العاشر لملحمة كلكامش، مما جوز نقلها هو اكتنازها بالمعنى العراقي المراد وبُعده الإنساني، في عنوان هذه السطور قيد الدراسة ، حيث الكلمات الأولى: ( عندما كوّن الآلهةُ البشرَ خصوا البشرية بالموت وحفظوا الحياة بين أيديهم ).
فتنبلج رواية «الصورة الثالثة» لعلي لفته سعيد، عن أحداث وشخصيات عاشت معاناة العراقيين في الحصار قبل 2003، إذ يدلف واقع العراقيين في المتن الروائي بين الحداثة وما بعد الحداثة، فالواقعية الاشتراكية التي جسّدها (محسن) الشخصية الرئيسة هي للمثقف العراقي الذي عمل عامل مولدة على سطح إحدى فنادق بغداد، كما جاءت شخصية (محسن) تجسيداً حيّاً لشخصية المثقف العراقي بين الحياة والموت، إلا أن (محسن ) في المتن لم يكن متزوجاً بل كان عاشقاً ويحاول أن يكتب روايته الخاصة فكانت مشاكل محاولاته لكتابة الرواية تأخذ جوانب ما بعد الحداثة في «الصورة الثالثة « هذا الوشم اخذ ثلاث صور من الحياة النفسية والاجتماعية والاقتصادية لشخصية (محسن) فهو يعيش عشية بسيطة اقرب للفاقة وهو عامل مولدة ثم يصبح موظفاً في الفندق فتُطلب مواليده للخدمة العسكرية من جديد كما اعتاد هو على ذلك هذه الصورة الأولى أن يكون مشروعاً للموت، وهي صورة معروفة عنه بين الناس، الصورة الثانية عشقه لـ(سلوى) وهي غير معلنة للمجتمع، أما الصورة الثالثة فهي ذاته من خلال رغباته الجسدية التي يعيشها مع (سلوى) وانكساره تلك الرغبات بعد عشقه لها لمعرفته المتأخرة بوضع(سلوى وزوجها معاق الحرب الذي أهملته الدولة بعد تشويه وجهه وإقعاده عن أي فعل يمت للحياة بصلةٍ ) ، وما يكمل الصورة الثالثة الذات بحثه وسعيه لكتابة الرواية عن شخصية في تبئير داخلي وخارجي لشخصية (محسن) فهذه الصور الثلاث لا نجدها معلنة عن نفسها بسهولة حتى تنهي الرواية ونعيد قراءة الأحداث مراراً في تواشج بين العنوان والشخصيات إذ الصورة للأشخاص وليست للإحداث، وكذلك الأمر يتصل بثلاث صور لـ(سلوى) الأولى احترامها لنفسها ووفائها لزوجها وهي الصورة المعلنة أمام المجتمع كما تعلن هذا أمام محسن بعد ليلة معه، تعريه ذاته أمامه، أنه استغل عطشها الجسدي وأنها ليستْ كما يظن ( أنك تزيد حقدي على نفسي.. من الذي أوصلني إلى ما أنا فيه ؟ صدقني لم أكن يوما من الأيام أن أتصور نفسي هكذا ) ص 58، بما يتواشج مع الوسم اقصد عنوان الرواية، أما الصورة الثانية الصراع داخلها بين رغبتها الجسدية وعقلها، صورة الثالثة حالها بالاستسلام للرغبة الجسدية ، لينقل المتن معاناة أقسى مِن الموت نفسه بسبب الحروب عندما تكون المرأة في مجتمع ذكوري خاضع لسلطة الحروب عبر عقود إلى اليوم، زوجها مِن المعاقين ومشوه الوجه بسبب الحروب ؟ كما يكشف المتن الأثر النفسي للرجل بعد خروجه من الحرب فمثلاً (محسن) يتذكر مواقع القتال وهو يعيش حالة الحياة المدنية حتى وهو في سرير (سلوى) وبين ذراعيها، بينما ينبلج الغبن والحرمان في منطقة الجنس بسب الابتعاد عن الحياة المدنية وعدم الاتصال بها في الاقتباس الآتي 🙁 إذا أخذتني بين ذراعيها، فأن كل أحجار الكواكب البعيدة تتساقط فلا تحدث دوياً إلا في داخلي، ويبدأ سريان العطش ،يتخبط مسامات جلدي)
أما صور رجل الحرب المعاق( زوج سلوى)، فهي شاخصة واضحة مِن المتن ينقلها في تبئير خارجي لها الراوي العليم (محسن) من خلال رؤيتها معلقة على جدار بيت (سلوى)، تتغير مع كل صورة منها أحداث الرواية وسلوك الشخصيات الرئيسة والثانوية، فيقرر (محسن) هجرها وهو ابن سبعة عشر ربيعا حينها، بما يناسب أبداع الرواية في العراق، بما يناسب عمق المأساة المستمرة إلى اليوم بسبب الحروب والقتال منذ كلكامش حيث يتفرد أبناء أروك في صراعهم من اجل صناعة الحياة من خلال الكلمة كما أبدع علي لفته سعيد رواياته الثلاث، ليأخذ عنوان الرواية الأولى» الصورة الثالثة» ثلاثة صور لشخصية ( محسن) الأولى قبل 2003 ، و الصورة الثانية في «مزامير المدينة» والثالثة في «فضاء ضيق».
وفي رواية «مزامير المدينة « نجد معاناة (محسن) الذي نجا من الحروب والحصار ، لم ينجو في إيجاد فرصة عمل تناسبه بعد 2003، فعمل دفانا في المقبرة وهو الروائي المثقف،وبعد عطف الدفان علي عليه وإلا لم يجد فرصة العمل تلك،وكأنه كُتب عليه أن يعيش معاناة شعبه قبل الموت وبعد الموت حتى القبور فيها تمايز طبقي فقبور الفقراء واطئة ومهملة لا أحد يمر بها وهي، وعلى العكس من ذلك قبور الأغنياء عالية يكثر الناس حولها، تماما مثلما يتم زج الفقراء وأبنائهم في أتون الحروب والعوز كذلك بعد الموت، كاشفا لعالم ثانٍ، كيف تجري الأمور في المقبرة، رامزا إلى التغيرات التي حدثت فقبلُ كانت الموت على حدود البلاد، وصار اليوم في دواخل المدن وشوارعها، وليس للمثقف وصاحب الرأي مكانا للعيش الكريم .
أما في رواية «فضاء ضيق» التي أخذت عمقا فلسفيا من خلال جلسات وحوار الشخصيات( علاء، محسن، وحليم ومجتبى )، ومن خلال رصد لوقائع الحياة الاجتماعية والسياسية، وأراء المثقفين، ليبحث (محسن) عن عمل جديد ويترك عمله في المقبرة، ولكنه أيضا سيكون بين ثيمة الموضوع وجوده بوصف عراقيا بين الحياة الموت، ليعمل بين الأرامل واليتامى في المؤسسات الخيرية، ليكون مرة أخرى نفسه يعمل في نتائج ذلك الموت على الأسر التي تركها الأموات لتكون أسرهم الأحياء بلا معيل بما يشبه الموت البطيء، وقد تميزت «فضاء ضيق» بتوظيف تقنية الحوار السردي بين الشخصيات الرئيسة ( علاء، محسن ، وحليم ومجتبى )، وليضيف على لسان (علاء ) انه زمن مَن لا يقرأ ولا يكتب، زمن من يطيع باسم الدين ليحصل على ما يريد مثل «سلوى « التي ظل يبحث عنها (محسن) عندما رأى صورتها معلقة على عمود كهرباء، وهي مرشحة للانتخابات في قائمة حزب نافذ في السلطة، حتى قرر عدم البحث في نهاية الرواية ، لم تكن رواية «فضاء ضيق» تختلف عن ثيمة وجود العراقي بين الحياة والموت، لكنه موت من نوع أخر هو موت الأحياء وهم أحياء بلا عقل ولا وعي ولا انتماء لوطن، انه الجهل الذي ضرب المجتمع، ليبقى (محسن ) كما هو في معاناته، سوى انه لا يبحث عن «سلوى « مجددا .

About alzawraapaper

مدير الموقع