إشكالية المصطلح

أنور محمد:
يعتبر كتاب «إشكالية المصطلح » لمؤلفه يوسف وغليسي أن المصطلح صار حاجة علمية أكثر منها لغوية، لأنَّه برأي الباحث يمثل إشكالية نقدية عصبية، ومعضلة من معضلات الخطاب النقدي العربي المعاصر. وموقعاً من أشكال المواقع التي يتبارى فيها النقاد، فالمصطلح أو الفعل الإصطلاحي يقوم بوظيفة اقتصادية بالغة الأهمية، تمكننا من تخزين كمٍ معرفي هائل في وحدات مصطلحية محدودة، والتعبير بالحدود اللغوية القليلة عن المفاهيم المعرفية الكثيرة، ولا يخفى ما في هذه العملية من اقتصاد في الجهد واللغة والوقت، يجعل من المصطلح سلاحاً لمجابهة الزمن يستهدف التغلب عليه والتحكم فيه. إنَّ المصطلح كما يقول المؤلف يحدد مسار القراءة أياً كان منهجها، بمعنى أنَّ العلاقة ما بين المنهج في القراءة لا بل القراءة أياً كان منهجها، والمصطلح وثيقة اللحمة، من هذه الزاوية يمكن أن نفسر اختلاف المصطلح من قراءة إلى قراءة ، ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن أن نفهم شيوع مصطلحات ما دون غيرها من المصطلحات في قراءة دون قراءة. ثمَّ يخلص يوسف وغليسي إلى أنَّ الوحدات المصطلحية التي يحفل بها القاموس النقدي العربي الجديد لا تزال في عمومها ـ دون مرحلة التجريد والاستقرار، مترددة بين درجتي التقبل(التجريب) والتفجير (الاضطراب) بحسب سلم التجريد الاصطلاحي. ولقد صعب منذ البدء تصنيف كثير من المصطلحات ضمن حقول منهجية معينة، فكانت تلك الصعوبة دليلاً أوَّل على مرونة الجهاز المصطلحي الجديد، وحفوله بالمصطلحات النمطية (اللامنتمية) التي تعكس تداخل وتجاوز المناهج التي يصدر عنها الخطاب النقدي الجديد في أصوله الأولى. مع ذلك فإذا كان المصطلح هو (العلبة السوداء) التي تدلنا على بعض أسباب المزالق النقدية، فليس من المنطق أن نتخذ من ذلك «قميصاً عثمانياً» نلوح به دائماً متى شئنا إثارة الفاتنة النقدية! ذلك أننا، وإن كنا لا نبرئ الفعل الاصطلاحي تماماً من أزمتنا النقدية، فمن التجاوز أن يعد المسؤول الأوَّل عليها، لأنه كثيراً ما يكون نتيجة لها ومظهراً من مظاهرها. إنَّ الناقد العربي المعاصر قبل تفكيره في التنسيق الاصطلاحي مع غيره ، هو أحوج ما يكون إلى التصالح مع ذاته، لأنَّ بعضهم يقترح اليوم مصطلحاً، ثمَّ ينبذه ويأتي غيره غداً!! مما يؤجل حلم الاصطلاح إلى الآتي الذي قد لا يأتي. أو يجعل توحيد المصطلحات سراباً هارباً وطموحاً ميئوساً منه. لقد وظف الخطاب النقدي مجمل الآليات الاصطلاحية التي يتيحها فقه اللغة العربية، مع اعتصام أكبر بالاشتقاق، ولجوء أقل إلى النحت، إضافة إلى الاستعانة بالإحياء والمجاز في حدود مقتضى المفهوم النقدي، بينما كان التعريب الآلية الموقوتة ريثما تتوفر الآليات المناسبة، والثابت المصطلحي حين تتغاير المصطلحات ، والعزاء الاصطلاحي حين يعزُّ الاصطلاح ويتفشى الاختلاف. هذا بعض ما أفضت إليه إشكالية المصطلح النقدي الجديد من نتائج، والبقية لازبة بأعماق الإشكالية التي يرجى التماسُ تفاصيلها .

About alzawraapaper

مدير الموقع