إشكالية الدين والقومية

جعفر المظفر

الإشكاليات الصعبة التي تؤسس لها العلاقة ما بين الديني والقومي نجده في الغالب ونحن نتحدث عن العرب والفرس. فالتاريخ العربي السياسي مرتبط تماما، لا بل ومتفاعل، مع قضية الإسلام، بدايته وتكونه وانتشاره وثقافته ورموزه.
بالمقارنة مع المسيحية مثلا، فإنه لا توجد أمة من الأمم بإمكانها أن تدعي قربها من الدين المسيحي أو ريادتها له. الأمم التي تمسحت كانت موجودة قبل انتشار المسيحية فيها. الفرنسيون ليس بإمكانهم الإدعاء أنهم اقرب إلى المسيحية من الألمان، وكذلك فإن ما من امة بإمكانها أن تدعي ابوتها للمسيح، ولذلك فإن الصراعات السياسية بين الأمم المسيحية التي أدت إلى هيمنة بعضها على البعض الآخر لم تتم من خلال صراعات دينية عامة ولكن مذهبية، فإن لم يدخل الدين الواحد على ساحات الفرقة والاقتتال من الأبواب فقد دخل عليها من الشباك.
عموما يمكن القول، وبسبب الطبيعة التبشيرية لإنتشار المسيحية في أوروبا أن علاقلات القربى القومية مع المسيحية هي واحدة، إذ لا توجد قومية أوروبية او عرقية أو أثنية تدعي انها اقرب إلى المسيحية سياسيا من غيرها.
إن الدول والأمم كانت هناك وقد تمسحت بتمسح ملوكها ( وليس عن طريق الفتوحات كما حدث مع العرب والإسلام، فالمسيح لم يحمل سيفا ليبني دولة ولا قام أنصاره وحواريوه بمعارك وفتوحات أدت إلى نشوء دولة بعنوان ديني وبهوية قومية معينة، لذلك لا توجد قومية او اثنية أوروبية تدعي أنها اقرب إلى المسيحية من غيرها، لكن الحروب التوسعية أو الرامية إلى الاقصاء والهيمنة وذات الطبيعة الإجتماعية والاقتصادية غالبا ما تحتاج إلى أغطية وعناوين أخلاقية وروحية، لذلك لم تترك المسيحية كثقافة للجميع والتجميع وذات منشأ وانتشار تبشيري، بل سرعان ما تمت عسكرتها عن طريق تفعيل الصراعات الإقطاعية والقومية والأثنية مذهبيا.
في المراحل الدينية للعالم آنذاك ويوم نشات المسيحية بمعزل عن الفتوحات والقهر والإنكسارات القومية، اي أنها كثقافة كانت على مسافة واحدة ما بين الأقوام، كان لا بد من تنشيط العامل المذهبي لكي يكون عنوانا أخلاقيا وروحيا للفتوحات المسيحين المسيحية، اي الأوروبية – الأوروبية (حرب الثلاثين عاما بين الكاثوليك والبروتسانت) بموازاة الحروب الصليبية بين أوروبا المسيحية والمسلمين.
ثمة حقيقة مهمة سيكون لها شأنا كبيرا على السلوك العربي ، وفي المقابل على العلاقة الإيرانية بالعرب وبداية من العراق. هذه الحقيقة تقول ان الأمة العربية، ممثلة بدولة الراشدين ومن ثم بالدولتين الأموية والعباسية، قد تكونت عبر تفاعل جدلي ما بين الإسلام والقومية حتى صار من الصعب الفصل بين المكونين، فالعرب قبل الإسلام لم يكونوا أمة في حين أن الفرس كانوا قبلها أمة تقاسمت العالم مع الرومان. هذا سيضعنا أمام المشهد التاريخي الخطير الذي ما أظنه فارق العلاقة بين الأمتين، بل لعله ظل يطبعها بسلبية تطغى على كل عامل آخر. من جهة هناك أمة (عربية) تكونت من خلال الإسلام مقابل امة (فارسية) قوضها الإسلام.
بالنسبة للدول (المسيحية) فإن لا أحد من بينها كان قد خاض الصراع السيادي أو التوسعي تحت راية الدين، وليس هناك قومية أوروبية كانت نمت بفضله على حساب اخرى أو أنها إكتسحت غيرها من دول الجوار تحت راياته، فالجميع كان على مسافة واحدة من المسيحية التي كانت قد انتشرت عن طريق التبشير ولم تنتشر عن طريق الغزو والقهر القومي.
إن التاريخ السياسي، توسع وحروب وإنهيار دول أو نشوئها وتوسها، كان قد تم تحت راية المذاهب. ولغرض أن يكون الغطاء المذهبي سميكا بما يكفي للقهر السياسي فقد تم النفخ في إختلافات تلك المذاهب لكي يمتلك الصراع السياسي مشروعيته الدينية . ويمكن لنا ان نراجع تاريخ الحروب الأوروبية ما قبل إنتصار العلمانية لكي نعلم حجم المآسي المدمرة التي تكبدتها المجتمعات الأوروبية، فنتيجة لحرب الثلاثين عاما بين الكاثوليك والبروتستانت التي بدأت عام 1606 فقدت أوروبا نصف عدد إجمالي سكانها البالغ آنذاك خمس وأربعين مليونا نسمة.
اليوم فإن المنطقة الإقليمية تمر بأسوا حالاتها ليس بسبب الإنغلاق الحضاري الذي يتسبب به التطبيق المتعنت للإسلام داخل كل مجتمع على حدة وإنما أيضا بسبب التوسعات الإقليمية لإعادة بناء الأمم على اساس ديني مذهبي ينعكس بدوره على المجتمعات العربية الهشة ليشطرها إلى مثنى وثلاث ورباع خماس متشكلة من قوميات ومذاهب تتقوى بالأخ الإقليمي على حساب الأخ الوطني.
ولقد خرجت أوروبا من صراعاتها المذهبية الدموية بقوة الفصل ما بين الدين والدولة وسوف لن تجد منطقتنا الإقليمية طريقها إلى التآخي والتعايش ما لم تفصل بين الدين والسياسية وتنتهج الديمقراطية، ليس لأنها تضمن للناس حرية الإختيار والتعبير فحسب، وإنما لكونها تسهم أيضا بحماية السلم الوطني والإقليمي وتفتح الطريق واسعا نحو تجمعات إقليمية بعيدة عن الشحن القومي أو الديني او المذهبي.

About alzawraapaper

مدير الموقع