إدارة الصراعات وفض المنازعات

عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

– 1 –
حين شرعنا في «الكلية الجامعية للّاعنف وحقوق الإنسان» في بيروت، بوضع برامج الدراسات العليا، كان واحداً من الموضوعات والفروع التي توقّفنا عندها والتي تدخل في صميم قضايا اللّاعنف، هو حل النزاعات باللّاعنف، ولعلّ من إشكالات هذا الفرع أو الاختصاص، هو ندرة المصادر النظرية باللغة العربية، وإنْ وفّر «المعهد السويدي بالإسكندرية» مواد أولية ، بالتعاون مع «معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام» لكن ذلك ليس كافياً كمصادر أكاديمية ومراجع علمية ومناهج بحث دراسية.
وكان «مركز دراسات الوحدة العربية» خلال العقد ونيّف الماضي قد بنى علاقة وثيقة مع هاتين المؤسستين السويديتين الرائدتين في إطار شراكة متواصلة، لاسيّما في مجال النشر باللغة العربية للعديد من الكتب والتقارير السنوية المتعلقة بالسلام والتسلّح وحلّ النزاعات، وهذه تشمل مواد نظرية ومعرفية فيما يتعلق بالوسائل والسبل الممكنة لتحقيق السلام وإقامة صرح علاقات سلمية، مثلما نظّم العديد من الفاعليات والأنشطة، في الاسكندرية وبيروت وتونس.
– 2 –
ولذلك حين اطلعت على كتاب الدكتور سامي ابراهيم الخزندار والموسوم « إدارة الصراعات وفضّ المنازعات – إطار نظري» توقّفت عنده كثيراً، ووجدت فيه مادة أكاديمية رصينة ويمكن أن تشكّل خلفية لاختصاص جديد، وطلبت من طلبة الدراسات العليا في الكلية المذكورة، ولاسيّما الذين يريدون التخصّص في مادة حلّ النزاعات باللّاعنف، قراءة هذا الكتاب المتميّز في موضوعه وفي محتواه، بل إن أحد الطلبة وهو من الدنمارك وعراقي الأصول يعدّ أطروحة ماجستير بإشرافي عن الموضوع ذاته.
إن موضوع إدارة الصراعات وفضّ المنازعات لا يتعلق بالقضايا ذات البعد العسكري أو الحربي فحسب، بل يبحث في المشاكل والعقبات والتحدّيات التي تواجه المجتمعات والدول للتوصّل إلى حلول مقبولة ومرضية وسلمية وعادلة. والأمر يشمل قضايا السكان والبيئة والتعليم والمرأة واللاجئين والتمييز العنصري وغيرها، بل وكل ما يتعلّق بالتنمية التي نطلق عليها « التنمية المستدامة» لشمولها جميع الفروع والحقول السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والقانونية والتربوية والدينية والبيئية والصحية وغيرها.
وتكفل محاولات فضّ النزاعات عبر المفاوضات تسوية المشكلات بوسائل أكثر نجاعة وأقلّ تكلفة وأجدى منفعة، ناهيك عن بعدها الإنساني، لاسيّما في الوصول إلى حلول مشتركة، سواء على الصعيد الدولي أم على الصعيد الداخلي، السياسي منه والاجتماعي والاقتصادي والعلاقات الإثنية والدينية والطائفية، إضافة إلى القطاعات الأخرى.
فعلى الصعيد العالمي ومنذ انتهاء عهد الحرب الباردة وتحوّل الصراع الآيديولوجي من شكل إلى شكل آخر، خصوصاً بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1989، وهيمنة الولايات المتحدة التي أصبحت القوة الأولى والأساسية في العلاقات الدولية، فإن التوجه نحو حل المنازعات بالطرق السلمية واللّاعنفية ارتفع رصيده من الناحية النظرية على أقل تقدير، مترافقاً مع الدعوات لاحترام حقوق الإنسان وقبول الحق في الاختلاف والاعتراف بالتنوّع وإنْ كان هناك نوعاً جديداً من الهيمنة للقوى المتسيّدة، خصوصاً في ظلّ سياسة الكيل بمكيالين، فضلاً عن ازدواجية المعايير.
وإذا كان للسياسة استحقاقاتها، فإن هذه المرحلة شهدت محاولات نشطة لبحث المشاكل العالمية المعقّدة عبر مؤتمرات دولية كبرى منها مؤتمر القمة العالمية المعني بالطفل العام 1990 ومؤتمر الأمم المتحدة للبيئة 1992، وللتغذية في العام نفسه، والمؤتمر العالمي الثاني لحقوق الإنسان (فيينا 1993) والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة 1994 والمؤتمر العالمي الرابع حول المرأة (بكين 1995) ومؤتمر القمة الاجتماعية في (القاهرة) ومؤتمر قمة الألفية الثالثة أواخر العام 2000 ومؤتمر القمة العالمية لمكافحة العنصرية (ديربن- جنوب أفريقيا) 2001 ومؤتمر القمة العالمي للسكان (كوبنهاغن ، 2005) ومؤتمر الأمم المتحدة الرابع للبلدان الأقل نمواً في اسطنبول في العام 2011 ومؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (ريودي جانيرو – 2012) ومؤتمر الصحة العالمية لمجتمع المعلومات العام 2015 ، وقمة الأمم المتحدة للاجئين والمهاجرين في نيويورك 2016 ومؤتمر المحيط في فيجي العام 2017 ، الأمر الذي وفّر فرصاً أكبر للتعايش والاحترام المتبادل والبحث في حلول سلمية من خلال المفاوضات، بغض النظر عن محاولات فرض الاستتباع وتوظيف بعض تلك المؤتمرات والقمم لأغراض سياسية أنانية ضيقة، بل استخدام بعضها وسيلة ابتزاز ضد آخرين.
وكان شهدت تسعينيات القرن العشرين عدداً من الاتفاقيات المتعلقة بالتسوية السلمية للنزاعات الداخلية والحروب الأهلية التي وجدت صداها وانعكاساتها في العديد من البلدان حيث أبرم اتفاق الطائف – لبنان 1990، وتمكن المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا العام 1994 من الوصول إلى السلطة عبر قانون جديد للانتخابات يسمح لجميع الأعراق والانحدارات المشاركة دون تمييز، وقبل ذلك كان أن انعقد مؤتمراً في كمبوديا للتسوية العام 1993 وسبقه تسوية في أنغولا العام 1991. وفيما بعد تسويات في عدة دول منها ليبريا والنيبال والكونغو والسودان.
وهناك اتفاقية دايتون للسلام العام 1995 بشأن البوسنة والهرسك واتفاقية الجمعة العظيمة أو اتفاق بلفاست العام 1998 حول إيرلندا الشمالية، وهناك اتفاقية نيفاشا العام 2005 التي مهّدت لإجراء استفتاء جنوب السودان الذي انفصل فعلياً في العام 2011 وإقليم تيمور الشرقية في أندونيسيا الذي كان استقلاله بقرار من مجلس الأمن العام 2002 وإعلان استقلال كوسوفو العام 2008.
وهكذا تتحوّل الكثير من القضايا الداخلية والنزاعات المحلية إلى قضايا دولية وإقليمية.
وإذا كانت النزاعات تطغى على المشاكل الدولية، فإن هناك قضايا أصبحت أكثر إلحاحاً وتحتاج إلى حلول سلمية أو لا عنفية تتم بين الدول والمنظمات الدولية، لأنها تهم المجتمع الدولي ككل مثل قضايا: الإرهاب الدولي واللاجئين والاتجار بالبشر وغسيل العملة وتجارة المخدرات وتجارة السلاح وغيرها، لما لها من تأثيرات اقتصادية كبيرة على الأوضاع الداخلية والدولية. وبهذا المعنى تزداد الحاجة للتفكير بوسائل جديدة وأساليب متعدّدة لتحليل الواقع الجديد واستنباط الحلول والمعالجات للمشاكل الدولية القائمة، على أساس تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية أو التهديد بها واللجوء إلى الحلول السلمية بين الدول والبلدان على أساس ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية، بما فيها الشرعية الدولية لحقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي .
*****
من هنا يأتي كتاب الدكتور سامي ابراهيم الخزندار ليسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العربية، مع أنني ومن خلال اطلاعي المتواضع، أعرف أن دراسات قضايا إدارة الصراعات وفضّ النزاعات باللغات الأجنبية هي الأخرى لا تزال قليلة أيضاً، علماً بأن المصادر التي اعتمدها د. خزندار يمكن الاستفادة منها لما تشكّله من تنوّع لتوسيع الرؤية والتأسيس لرفد هذا الاختصاص الجديد وقد وجهت طالب الماجستير الذي يعدّ أطروحته حول الموضوع للبحث عن قائمة عناوين دانيماركية – سويدية تلك التي تخصّ الموضوع ذاته والتي جاء على بعضها الدكتور خزندار، ويمكن إعداد بعضها للترجمة العربية .
سلّط د. خزندار الضوء على بعض المستجدات المتعلقة بفضّ النزاعات عبر اللّاعنف، لا من أجل معالجة آثاره بعد اندلاعه عبر حمائية طويلة ومتدرّجة فحسب ، بل باستخدام وسائل وقائية تحول دون اندلاعه، لاسيّما وإن بعض الصراعات أصبح معتّقاً ومستديماً، وأخذت آثاره تنعكس على العالم مثل الصراع العربي- الإسرائيلي، ولاسيّما بتنكّر «إسرائيل» لحقوق الشعب العربي الفلسطيني وفي المقدمة منها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة القابلة للحياة على أرض فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. ولعلّ إقدام «إسرائيل» حالياً على تشريع «قانون الدولة القومية اليهودية» يعني فيما يعنيه اعتبار سكان فلسطين الأصليين، بما فيهم عرب الـ 48 مجرد سكان مقيمين، وليس لهم حقوق المستوطنين القادمين من أصقاع الدنيا فما بالك بحقوق عرب فلسطين بشكل عام بمن فيهم اللاجئون الذين لهم الحق في العودة والتعويض في الآن ذاته، طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 194 لعام 1948، في حين يتم التنكّر للغة العربية التي تراجعت مكانتها في ظل هذا القانون العنصري وقوانين الأبرتايد الصهيوني .
وبتقديري إن المباحث الخاصة بمنع النزاعات كي لا تكون مزمنة أو متجدّدة هي المسألة الأكثر حيوية في معالجات هذا الكتاب، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالسلام والتعاون والمشترك الإنساني.

About alzawraapaper

مدير الموقع