أوهام وأحلام

أحمد الجنديل

أحمد الجنديل

مضى قطار العمر محملاً بزخم الذكريات والأحداث ، دخل نفق المغادرة وما زالت الاماني تتكاثر دون أن تسقط واحدة لتورق على شجرة الحياة الجرداء ، لم نشهدْ تفتحها في ساعات الصباح ، ولم نذق حلاوتها ، ولم نستمتع بظلها يوماً .
مضى العمر بين محطات الأمل والخيبة ، الأمل الذي طالما حطّ ركابه في رؤوسنا ، ورسم لنا خارطة الحياة السعيدة القائمة على العدل والانصاف ، حياة خالية من الظلم والظالمين ، الناس يعيشون فيها دون خوف أو اضطهاد ، يقولون بما يؤمنون به ، ويكتبون بما تملي عليهم ضمائرهم ، ويتكلمون بحريتهم بعيدا عن تجسس الرقيب ومتابعة الذيول ، الأمل الذي يضعنا أمام واقع لا يعرف الحقد والثأر والتخوين الذي يمنحنا أحلاماً وردية بالعيش معا تحت راية دستور لا يفرق بين قوم وقوم ، ولا بين فرد وآخر ، ولا بين دين ودين ، فالجميع يحملون شهادة المواطنة ، ويرفعـون الولاء للوطن ، ويدفعـون بحياتهم الى مرافئ الاستقرار والتـقدم والنهوض .
في محطات العمر المتعاقبة كانت الاحلام تأتينا طائرة بكل توهجها وجمالها ، نطير معها الى عالم تكتنفه السعادة ويهيمن على أرجائه الفرح ويغلفه التسامح والعفو ، عالم لا يعرف سطوة الرصاصة ولا زمجرة المتسلط ولا خطابات التهديدات ، وكنا نصفق لأحلامنا ، نفتح صدورنا لتستقر فيها ، نشرع أبوابنا لكي تدخل بسلام ، نقيم لها كرنفالات من الفرح والمرح ، ننشد جميعا بلغة المحبة أناشيد المستقبل الزاهر ، لا أحد يتحدث عن الماضي الا بمقدار خدمته للمستقبل، لا نتصيد بالمياه العكرة طالما نملك عيون المياه النقية الصافية ، وعندما يضربنا الحاكم بيد من حديد الذي تعود ان يضرب الشعب بها ، نعود من رحلة احلامنا لنجد أن سفينة الامل التي كنا نحلم بها قد تحطمت على صخرة الواقع ، وما كنا نحلم به عبارة عن أوهام لا تغني فقيرا ولا تشبع جائعا ولا تشفي مريضا .
ذهب العمر ، والفردوس المفقود رحل الى عالم المفقود ، وفي كل يوم نتمنى ان يمنّ الله علينا بحياة تمر كطيف عابر لا نرى فيها الحاكم يمسك صولجانه الذهبي بيد ، وفي اليد الأخرى ينثر مكرماته السخية على المنافقين واللصوص والانتهازيين ، ويدفع بجلاوزته الى الخط الاول ليكونوا سادة المجتمع ، ويمنحهم مفاتيح الامر والنهي ، وأن نشاهد أولي الأمر يشاركون رعيتهم أفراحهم وأتراحهم ، ينتهجون طريق التحرير ويبتعدون عن دهاليز التخدير ، يتحدثون بلسان واحد ، ويفكرون برأس واحد ، ويبصمون بقلم واحد بعيدا عن اعراف التسلط والتعسف والخوف .
مضى قطار العمر سريعا ، وما زالت أحلامنا ترتعش في سجون أوهامنا في حياة تختنق بالكثير من الازمات .
الى اللقاء .

About alzawraapaper

مدير الموقع