أزمة الثقة السياسية وأبعادها

يحيى الزيدي

يحيى الزيدي

يُعد مفهوم الثقة السياسية في الدولة أحد المفاهيم الأساسية المهمة فيها.
لذلك نرى عند اتساع الفجوة بين المواطنين والدولة تظهر أزمة الثقة السياسية بينهما، فضلاً عن إتساع دوائر عدم الثقة بين أفراد المجتمع.
ويعد قيام النخبة الحاكمة بتلبية احتياجات ومطالب مواطنيها من أهم آليات بناء الثقة، وأن أغلب الحكومات تفتقد الى ثقة جماهيرها عندما تصبح أقل فعالية في توصيل ما يريده المواطنون.
ولذلك فإن عدم الثقة بين المواطنين والحكومة تظهر عندما يدرك المواطن أن أداء الحكومة غير مقبول، ويكاد يكون مرفوضا.
وما يحصل في بلدنا، منذ ما يقارب أربعة أشهر لخروج التظاهرات في بغداد واغلب المحافظات، خير دليل على ذلك.
هذه التظاهرات التي يطالب المحتجون فيها، حسب الشعارات التي رفعت، والهتافات التي اطلقت من قبلهم، بـ« الإصلاح السياسي وتشكيل حكومة مؤقتة، والدعوة لانتخابات مبكرة وتعديل الدستور، والقضاء على الفساد، وتقديم الفاسدين إلى القضاء، واسترداد الأموال المسروقة الى خزينة الدولة، وتوفير فرص العمل للخريجين والعاطلين عن العمل، وإلغاء المحاصصة وتوفير الخدمات»، كل هذا يتطلب مواقف واضحة من الحكومة والكتل السياسية، بشكل جاد وملموس، من دون تسويف أو مماطلة، لان وضع البلد لا يتحمل دخوله في أزمات سياسية واقتصادية وأمنيـة، ونفق مظلم، أكثر مما هو عليه الآن.
وللسيطرة على وضع البلد، يجب أن يفكر الجميع بإعطاء الفرصة الكافية لرئيس الوزراء القادم، الذي تعسرت ولادته، باختياره حكومة بعيدة عن المحاصصة، والمناكفات والرغبات السياسية، كي ينجح في برنامجه الحكومي، والإعداد لانتخابات مبكرة، والتي من شأنها تهدئة الوضع في البلد، وتخفيف الاحتقان فيه، وبذلك تكون حكومته جزءا من الحل، لا أزمة متفاقمة بين المواطنين والفرقاء السياسيين.
والوضع، بعد أكثر من خمسين يوما من قبول مجلس النواب استقالة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، وحكومته، نتيجة للضغط الجماهيري، والأحداث الدامية التي رافقت التظاهرات، والتي راح ضحيتها مئات الشهداء، وآلاف الجرحى من المتظاهرين والقوات الامنية، ما زال يتأرجح بين قصر السلام ومجلس النواب العراقي .
لقد كثرَ الحديث في الآونة الاخيرة عن شخصية رئيس الوزراء القادم وحكومته، لاسيما بعد عجز السياسيين اقناع رئيس الجمهورية، برهم صالح، بمرشحيها، الأمر الذي جعل رئيس الجمهورية في وضع صعب، ولا يحسد عليه.
إن الأزمات، إذا ما استمرت في أي بلد ما، فإنها تنهكه، وتجعل منه بلدا ضعيفا، وتعيده إلى الوراء.
إذاً، تعد الثقة في أداء الحكومة مؤشراً أساسيا ومهما لقياس رضا المواطنين تجاه السياسات الحكومية، وتقترن هذه الثقة باستجابة الحكومة لمطالب المواطنين، وتحقيق ما يخدم حاجاتهم ومصالحهم، والشعور بالمسؤولية اتجاههم.
ومن هنا أقول: السياسة بطبيعتها متحركة ومتغيرة، ليس فيها أناس دائمون، ولا مصالح دائمة وثابتة، والعلاقات في السياسة تتغير، وكذلك الظروف، مع قابلية المناخ أيضاً للتغير والتلبد.
لذلك لا يوجد أمام عودة الهدوء لبلدنا إلا الإصلاح الحقيقي، والتفاهم السياسي بين الحكومة والسياسيين من جهة، والمتظاهرين من جهة أخرى.
نعم.. القدرة على خلق الواقع السياسي في إطار التعامل مع الممكن والمستحيل عملية غاية في التعقيد، وتعتمد على معرفة كاملة بتفاصيل الأوضاع، لكن إذا ما طرحت أبرز الملفات على طاولة الحوار، ووجود الرغبة الحقيقية لدى جميع الفرقاء في حلحلة الوضع الحالي، فإن الحلول الناجعة، التي من شأنها حل الأزمة السياسية في البلد، ستكون حاضرة وبقوة، مع وضع بدائل وخيارات لكل الظروف الطارئة.

About alzawraapaper

مدير الموقع