أدب المهمشين في العصر العباسي

تأليف: الدكتورة نورس ابراهيم عبد الهادي
الدار المنهجية
عمان ـ الأردن بالاشتراك مع دار الصادق الثقافية في بابل.
ط1، 2019
564صفحة
عرض: علاوي كاظم كشيش
هذه هي وظيفة الفن والبحث، أن يجعل المهمل نادرا، والعادي جدا لا عاديا.
شعرت بهذا بعد أن تسلمت بالغبطة كلها كتاب الدكتورة نورس ابراهيم عن أدب المهمشين في العصر العباسي من القرن الثاني حتى نهاية القرن الرابع الهجري، وهو دراسة في ضوء النقد الثقافي وأدواته. وقد قضيت وقتا ممتعا على مدى يومين بقراءة هذا الكتاب. ذلك لأن ملح ونوادر المهمشين كان تجذبني وأنا أقرأ ما قدحت به قرائح وأريحيات الأدباء الهامشيين نثرا ونظما، تلك التي كنت أجدها في كتب الجاحظ، والمستظرف من كل أدب مستطرف، و كتاب الأغاني وسواها كثير. ومن الشيق أني وجدت في هذا الكتاب روح التأليف الملذة والمرحة والجادة. فهذا الكتاب بتوسله بأدوات النقد الثقافي قد استعان بالمنهج الاجتماعي والنفسي والتاريخي والتحليلي ليؤصل لهذا الأدب ويرفعه من الهامش الى قوة الهامش وليس الى المتن لأن المتن ظل في أغلبه يتبع الأدب العالي الذي يصدر عن السلطة على حساب الأدب الواطئ الذي يصدر من المهمشين الذين تدب في أفعالهم وأقوالهم ومشاعرهم حرارة الحياة اليومية وهم يجعلون العابر من المناسبات الكثيرة ومضات أدبية تظل فيها حرارة الوقوع والفعل والقول.
لقد اشتغلت المؤلفة على حفريات مادة (همش) أركيولوجيا، وتابعت الحفر في التراث المعجمي والتحولات الاجتماعية السائدة في حقبة الدراسة آنذاك لتحديد مفهوم (التهميش) وإخراجه من المفهوم الشائع عنه على أنه (حاشية) فقد وجدته في المعاجم مثل العين ( السريع العمل بأصابعه.والهمشة: الكلام والحركة). أما في تهذيب اللغة للأزهري فهو ( العض، وكثرة الكلام والخطل في غير صواب،ورأيتهم يهتمشون: اذا كانوا في مكان وأقبلوا وأدبروا واختلطوا) أما في معجم مقاييس اللغة فهو (سرعة عمل أو كلام) ومثله في لسان العرب.وعلى الرغم من شيوع هذا المصطلح في الاستعمال فإن المؤلفة قالت : ( لم أجد دراسة وافية تعنى بهذا المفهوم وتؤصل له لغويا واصطلاحيا بالشكل الذي يتلاءم مع شيوعه. بل كنت في غاية العجب من أنها مسألة لم تستأثر بانتباه الباحثين العرب في مجال المخطوطات وتحقيق النصوص، فكل ما ذكروه لا يعدو كون الهامش مرادفا للحاشية. ص22.
وبما أنه من الصعوبة الاقرار بتعريف جامع لهذا المفهوم،لتعدد جوانب هذا الهامش، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وايديولوجيا ودينيا. فإن المؤلفة قد استعانت ببعض تعريفات (الهامشية) من مصادر ثقافية واجتماعية، (فالهامشية) حيز غير وظيفي تدفع اليه الظروف بأولئك الأفراد الذين يمنعهم الحظ وأصولهم الاجتماعية أو مبادئهم من الانسجام مع الجماعة في اطار الحركية العامة التي تتم في وضع تحول تاريخي نوعي بشكل جاري في صلب السلطة والمجتمع، ويتكاثر عدد هؤلاء الافراد مع تعمق الشرخ الذي ينشأ في البنية الاقتصادية، والاجتماعية ،والقيمية، يتشكل مجتمع آخر يعيش ويتطور على هامش المجتمع الأصلي، وبالتعارض معه والصراع ضده. ص41.
وبما أن الاهتمام بالمهمش أو الهامش وقضايا التهميش، من التوجهات الأساسية في خطابات ما بعد الحداثة، فقد شكل نزوعا أساسيا في حفريات المشروع ما بعد الحداثوي. لذلك رأت المؤلفة أن (مع الخمسينيات من القرن الماضي بدأت في الغرب أوراق نعي الحداثة، وجاءت ما بعد الحداثة لتمثل شكلا من الاعتراض او الافتراق عن الحداثية، فقد ألغت ما بعد الحداثة كل الفواصل التي نادى بها المشروع الحداثوي ومن أهمها تآكل الفاصل القديم بين الثقافة العليا وبين ما يسمى بالثقافة الجماهيرية أو الشعبية، لذلك وصفت ما بعد الحداثة بالحداثة الدنيا تمييزا عن الحداثة العليا التي أنتجها عصر الأنوار وعاشها الغرب). ص44ـ45.
وعمدت المؤلفة الى تحليل المسار الفكري والطبقي للسلطة العباسية وتفكيك مرتكزات ثقافة النخبة والأدب الرسمي ونظرة علية القوم من الادباء الى أدب المهمشين وآراء هؤلاء المهمشين وصراعهم ومعاناتهم مثل أبي حيان التوحيدي وغيره. فالمسار الثقافي للسلطة العباسية تضمن الوجه الثقافي أو هو الواجهة الثقافية ثم توابعها وكيف تعمل على تكريس الرمز الثقافي كما في (المديح) مثلا. والمنادمة والمجالسة، التي هي مضمار لتعاطي وتداول الأدب النموذج الذي ترضى عنه السلطة. لكن المؤلفة استكملت البناء السابق ومن باب الحفر حسب ادوات النقد الثقافي بقراءة المهمش وفحص فاعليته، فقد رصدت تنظيمات المهمشين في المجتمع العباسي خارج نطاق النخبة،تلك التنظيمات التي كان لها اتجاهات كثيرة، منها: الاتجاه العسكري والسلمي، ومنه فئة المكدين (الشحاذين) والطفيليين والمتحامقين وأساليب وطرائق كل فئة في التعبير عما عندهم من مشاعر مختلفة وآراء وأهاجي وسخرية ورفض.
وللهامش في أدب العباسيين فضلا عن التنظيمات السابقة صور أخرى من المثقفين المهمشين، إذ أن المثقف المهمش لا يبدو ظاهرا في صورة نمطية واحدة، فهو المثقف المكدي والمثقف الطفيلي والمثقف المتحامق، وله صور أخرى يعمل على ابتكارها،مثل المثقف الموسوس والعيار والشطار واللصوص.
على أن هذا الأدب الهامشي هو أدب حركي فاعل على الرغم من النظر الى هامشيته مكانيا اي خارج خطط المجتمع، لذلك وجدت المؤلفة أن هذا الأدب بشخوصه وصورهم وأساليبهم وفنونهم، قد انتج خطاب ضد، ولكن هذا الخطاب الضدي لم يكن محروما من الفن على مستوى البناء واللغة والتعدد الثقافي الذي يأتي على وفق البناء المعقول والمستغرب فنيا وموضوعيا, فمن جانب الموضوعية اعتمد على أغراض كثيرة، مثل: الحيلة وانتهاك الآخر، والبذاءة والتماهي مع فضاء الهامش والانفلات. ثم انهت المؤلفة كتابها ببحث أدب المهمشين والتلقي. اذ ان هذا الأدب لم يكن مركونا على جنب أو مهملا بل هو يتداول بعدّه مادة للتندر والتنفيس عن الغضب والتمتع بما فيه من ملح ونوادر. وترى المؤلفة كما رأى أبو حيان التوحيدي الذي خصص الليلة الثامنة عشرة من كتابه الامتاع والمؤانسة لأخبار السوق والمجان والمكذبين والمأثور من كلامهم، بطلب من الوزير ابن سعدان الذي استحسن ما قد سمع وقال لأبي حيان: قدّم هذا الفن على غيره.
ويمكن أن نختزل مفهوم المهمش وأدبه الى مفهوم الأدب الشعبي الذي صار تداوله شائعا وهو قد تخطى النظرة المتعالية التي يسمه بها المتن دائما.ولا يخفى أن الأدب الشعبي ومنه الشعر الشعبي خاصة كان يطلق عليه بالشعر الجلفي زيادة في وسمه بالابتذال والهامشية وهذا ديدن السلطات التي تضطهد شعوبها ويعينها على ذلك أدب المتن المركزي المسخر لها.

About alzawraapaper

مدير الموقع