أداء الخدمة العسكرية جزء مكمل لعملية البناء التربوي

سعد محسن خليل

سعد محسن خليل

في العام ١٩٧٤ تم استدعائي لأداء الخدمة العسكرية الالزامية، وخدمتني المصادفة ان ألتحق في احدى وحدات التدريب في معسكر الرشيد، وقد كانت تلك الايام صعبة، حيث كنت انهض من النوم الساعة الخامسة صباحا، وان أبدأ بحلاقة ذقني ولبس ملابسي العسكرية المرتبة مع طلاء الحذاء العسكري طلاءً جيدا، وأهم للذهاب الى المعسكر متحملا معاناة النقل، وما ان ألتحق في وحدتي العسكرية حتى تبدأ عمليات التدريب العسكري العنيف، وهو روتين يومي تطبعت عليه واصبح جزءا من حياتي اليومية، وفي يوم لا يشبه كل الايام، وكنت في حالة متعبة من قلة النوم وأنا في حالة استعداد في الفصيل العسكري حاملا بندقيتي الكلاشنكوف، وفي تلك الدقائق غفوت عيني وانحل جسمي، فسقطت البندقية من يدي على الارض دون ارادتي، فسمعت صرخة آمر الفصيل وهو يعطي ايعازا لرئيس عرفاء الوحدة بسجني ثلاثة ايام، هذا الايعاز وقع عليّ كالصاعقة، وما ان انتهت ساعة التدريب حتى اصدر الامر بإعفائي من العقوبة كوني معروفا بحسن السيرة والسلوك، ومرت الايام مثقلات بالهموم، وفي احد الايام، وبينما كانت الفصائل مجتمعة في ساحة العرضات، وإذا بآمر الوحدة، وهو انسان غليظ وشرس الطباع، يظهر من بعيد وهو يقف على مرتفع يطل على الفصائل كافة وينظر إليها نظرة نسر يترصد الفريسة ليصدر اوامره بمعاقبة أي جندي يتحرك حركة بسيطة، فكان الجنود في حالة سكون وصمت رهيب خوفا من العقوبة، وأنا من ضمنهم، لكن حظي العاثر كان بالضد، حيث رصدتني ذبابة خضراء اللون شرسة الطباع وبدأت تلتف حولي في محاولة منها للهبوط في مطارات وجهي او أية محطة من محطات رأسي، واختارت منطقة الأنف وبدأت بالوقوف على انفي واخذت تغرس سلاحها الفتاك غرسا بلا رحمة، غير مبالية لما يحدث من احداث في ساحة العرضات، وعقوبات آمر الوحدة، لكني صممت على المقاومة حتى لو وصل الامر بهذه الذبابة الحقيرة اللئيمة ان تاكل انفي، ولم تنفع كل محاولاتي لإبعاد الذبابة عن وجهي بتحريك اجزاء غير منظورة، والحمد لله، انجلى الموقف بسلام ونجوت من عقوبة محتملة.. هذه الالتزامات، وهذا الخوف المشروع، جعل منا رجالا قادرين على تحمل مشاق الحياة، واكسبتنا خبرات، واعطتنا قدرة على مواجهة المشاكل برؤية شمولية ومسؤولية، ورغم هذه المصائب، فإنني اشعر ان اداء الخدمة الالزامية جزء مكمل للبناء التربوي في المدرسة، وتبقى التربية المنزلية ناقصة دون التربية الجسدية والنفسية، وصدق من قال علموا ابناءكم السباحة والفروسية والرماية، فإنها عماد المستقبل لجيل الشباب الذي ابتلى في عصرنا بالميوعة والشعوذة، وعدم ادراك الامور المستقبلية، وقد يسأل سائل: هل تنجح الحكومة في تطبيق نظام الخدمة العسكرية الالزامية؟.. نعم تنجح في ذلك متى ما اشترطت ان يكون التعيين في الدوائر ملزما لكل من اكمل الفترة المحددة لأداء الخدمة الالزامية، ومتى ما اشترطت عدم تزويد المواطن بأية وثيقة حكومية، إلا لمن اكمل تلك الخدمة، اضافة الى منعه من السفر خارج وداخل البلاد.. بهذه الخطوات تنجح الدولة في فرض هيمنتها لإنجاح تنفيذ هذا الاجراء.

About alzawraapaper

مدير الموقع